يمكن القول إنّ معرض السورياليين المصريين «حين يصبح الفن حرية (1938-1965)» حرّك المياه الراكدة. على مدى شهر كامل (من سبتمبر حتى أكتوبر)، عرضت «مؤسسة الشارقة للفنون» بالتعاون مع قطاع الفنون التشكيلية المصري والجامعة الأميركية في القاهرة 150 عملاً فنياً حاولت أن تقتفي أثر جماعة السورياليين المصريين وتأثيراتهم حتى ستينيات القرن العشرين. تحولت قاعات قصر الفنون في ساحة دار الأوبرا، التي احتضنت الأعمال، إلى قبلة فنية يحج إليها جمهور خجول لم يعد يزور المعارض أو حتى يهتم بالفنون وسط العواصف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المصريون في حياتهم اليومية.

المعرض الذي اختتم في القاهرة، على وعد بتجواله في مدن عربية وأوروبية أخرى، يحتاج إلى قراءة ما له وما عليه. من أولى مزاياه أنه أتاح للجمهور فرصة مشاهدة جانب ولو محدود من أعمال «جماعة الفن والحرية» أو من يٌطلق عليهم السورياليون المصريون، وكذلك مجموعة ضخمة من أعمال فنانين آخرين كعبد الهادي الجزار، وحامد ندا المنتمين إلى «جماعة الفن المعاصر» التي وُلدت من رحم السورياليين، لكن في سياق مختلف ورؤية مغايرة. كانت فرصة للتعرف إلى مقتنيات المتحف المصري للفن الحديث غير المتاحة للعرض نتيجة لإغلاق المتحف، أو لبقاء بعضها في المخازن لسنوات، أو مشاهدة المجموعات الخاصة بأفراد مثل ساويرس أو محمد أبو الغار، فضلاً عن مقتنيات «مؤسسة الشارقة للفنون» و«مؤسسة بارجيل للفنون» في الشارقة. وبالتالي سمح المعرض بإعادة اكتشاف العديد من الفنانين الذين مثلوا حركة الحداثة في الفن المصري.
إلا أن مفارقات عديدة حملها ذلك المعرض لا يمكن إغفالها. تنبع الأولى من عنوانه «حين يصبح الفن حرية: السورياليون المصريون 1938-1966» الذي يوحي بأجواء ثورية ومتحررة، أو على الأقل بإعادة تقييم تاريخي لها، بينما نحن نعيش في لحظة تندفع فيها مصر، والعالم، نحو التقليدية والاتجاهات اليمينية المتطرفة. المفارقة هنا أن المعرض يسلط الضوء على حركة فنية قوامها التمرد والثورة على الاستبداد والرجعية، لكن مع تفريغها من مضمونها. بمعنى اقتطاف الجانب الفني المحض من خلال عرض بعض لوحات ومقتنيات مؤسسي الحركة، وإغفال الجانب الفكري والسياسي، والسياق التاريخي الثوري الذي ظهرت فيه.
ومع غياب كتيب أو مطوية تضيء الخلفيات التاريخية والفنية لنشأة «جماعة الفن والحرية» وتطورها، يصبح سهلاً تشتيت الزائر غير المتخصص، الذي سيتوقف حائراً أمام التعريف بالجماعة المعلق على الحائط، وأمام غموض عبارة «الأممية الرابعة» التي انتمى إليها أعضاؤها. وبالتأكيد، لن يجد ما يفسر له العلاقة بين الأعمال الفنية المعروضة لفناني الجماعة، وبين الأعمال المعروضة للفنانين الآخرين المنتمين لـ «جماعة الفن المعاصر» وغيرهم.
الحقيقة أن عبارة «الفن حرية» هنا هي مجرد حلية منزوعة من سياقها التاريخي. وليس المقصود بالطبع أننا لا يجب أن نحتفي اليوم ـ في ظل الردة الفاشية العنصرية ـ بحركة فنية ثورية كحركة السورياليين المصريين. بالعكس فربما يكون هذا الاحتفاء بحد ذاته أداة للمقاومة. لكن حتى نحقق هذا الهدف، أو جزء منه على الأقل، لا بد للمعرض أن يقدم لزواره معرفة مركبة، أكثر تنوعاً من مجرد عرض اللوحات. أي أن يتجاوز الطابع الشكلي الاحتفالي، ويتحول محفلاً ثقافياً معرفياً تتنوع أدواته بين المطبوعات، والعروض السينمائية، والمحاضرات، والندوات، إلى جانب عرض اللوحات والمقتنيات بالطبع.
لقد نشأت «جماعة الفن والحرية» في أواخر ثلاثينات القرن العشرين، على أيدي مؤسسيها الرئيسيين جورج حنين وكامل التلمساني ورمسيس يونان وفؤاد كامل. في بدايتها، برزت كعاصفة فكرية لم تستمر طويلاً، وإن تركت آثاراً لا تزول. فقد مزجت بين الفن والأدب والصحافة والسياسة في إطار راديكالي ثوري، وانتمت إلى التروتسكية، التيار الأهم داخل الحركة الثورية العالمية في ذلك الوقت، الذي جسدته منظمة الأممية الرابعة.
أواخر الثلاثينات تاريخ يتحدث عن نفسه. عالمياً، كانت الفاشية في أوج صعودها في ألمانيا وإيطاليا، بينما ديكتاتورية ستالين تفرض قبضتها في روسيا على أنقاض سلطة العمال والفلاحين الديمقراطية الثورية. وفي الوقت عينه، تدور الحرب الأهلية في إسبانيا بين الجمهوريين الثوريين، الذين يحشدون في صفوفهم كل أحرار العالم، وبين الملكيين الفاشيين، المدعومين من كل رجعيي العالم. أما مصر، فكانت تشهد موجة من الإضرابات العمالية الكبيرة وسط عمال النسيج، أسفرت عن ظهور عدد من النقابات الراديكالية. كما كانت تشهد ميلاد حركة شيوعية جديدة لعبت دوراً بارزاً في معارك الأربعينيات، وفي إحياء الحركة الوطنية الديمقراطية، فضلاً عن أن البشر في كل مكان كانوا يترقبون ساعتها اندلاع الحرب العالمية الثانية، الحدث الأكثر دموية في تاريخ البشرية.
صعود الفاشية والستالينية في أوروبا كان ثورة مضادة في مواجهة الموجة الثورية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وبالطبع كان ثورة مضادة على فنون الحداثة التي ازدهرت طوال العشرينيات. وبينما كان الفاشيون في أوروبا الغربية يحرقون الكتب والأعمال الفنية الحداثية باعتبارها فناً «منحطاً»، ويدعون إلى عودة النموذج البرجوازي في الفن، كان الستالينيون في روسيا يدشنون رؤية بيروقراطية للأدب والفن جسّدها بيان مؤتمر الكتاب والفنانين السوفيات عام 1936، ضد ما أطلقوا عليه أيضاً الفن «المنحط»، ولإعلاء شأن ما اعتبروه الفن «الإيجابي»!
أدى هذا الهجوم إلى انطلاق الحركة السوريالية عالمياً بهدف التصدي له، ودفاعاً عن حرية الفن. وفي 1938، ظهر البيان الشهير المعروف باسم «مانيفستو السوريالية»، الذي صاغه القائد الثوري الروسي ليون تروتسكي، وشارك في التوقيع عليه عدد كبير من الشعراء والفنانين الثوريين، ضمنهم أندريه بريتون ودييغو ريفيرا وغيرهم.
ولم تكن مصر بعيدة عما يجري حولها. الحركة العمالية والسياسية الناهضة ساعتها كانت تواجه هي الأخرى قوى رجعية وفاشية مسعورة. ومن رحم ذلك كله، ولدت «جماعة الفن والحرية» التي وَعت منذ لحظة ميلادها بدورها كمعول هدم للأفكار والرؤى والفنون الرجعية في مصر، وبصفتها جزءاً من حركة عالمية تدافع عن الفن الثوري الحر. هكذا نقرأ في بيانها التأسيسي الصادر في 22 كانون الأول (ديسمبر) عام 1938، تحت عنوان «يحيا الفن المنحط»: «في فيينا المتروكة الآن للهمج، يمزقون صور رينوار ويحرقون مؤلفات فرويد في الميادين العامة. إن ألمع منتجات كبار الفنانين الألمان أمثال ماكس أرنست، وبول كلي، وهوفر، وكوكشكا، وجورج غروس، وكاندنسكي قد صودرت وأحل محلها الفن النازي عديم القيمة. كذلك في روما أخيراً شُكلت لجنة لتنظيف الأدب! (...) يجب أن نقف في صف هذا «الفن المنحط» ففيه كل آمال المستقبل، لنعمل لنصرته ضد العصور الوسطى الجديدة التي يحاولون بعثها في قلب أوروبا مرة أخرى».
وضع مؤسسو الجماعة على عاتقهم مهمة الدفاع عن حرية الفن، ونشر الثقافة الحديثة، وتعريف الشباب بالحركات التقدمية العالمية في الفن والسياسة، كما ورد في قانونهم الأساسي المنشور في مجلة «التطور»، لسان حالهم. ويشير الكاتب والمؤرخ التشكيلي سمير غريب في مقدمة الإصدار الجديد المجمع لأعداد المجلة، إلى ما كتبه أنور كامل في افتتاحية العدد الثالث عام 1940، كأنه إعلان بقيام ثورة فكرية في مصر: «لقد جاء الوقت الذي يحق لنا فيه أن نعلن ثورتنا على الأحزاب والأشخاص ومراجعة الأوضاع التي ورثناها، ومثل هذه المراجعة لا يمكن أن تتم إلا بثورة فكرية تتغلغل في صميم الحياة المصرية، فتقف على ما يستحق الهدم وما يستحق البقاء... يا شباب هذه صحيفتك الحرة».

أصحاب الثروات استحوذوا على أعمال فنانين سعوا لتثوير الوعي وهدم المُثل الرجعية، ورفضوا تسليع الفن

لقد جسدت كتاباتهم وإبداعاتهم التشكيلية تمردهم على كل ألوان القمع والرجعية والنزعات الشوفينية، وسعيهم إلى تحرير العقل والخيال من كل القيود، بتفكيك الواقع وإعادة بنائه داخل عالم من الأحلام «فوق واقعي» أو «سوريالي»، تأثراً بأفكار فرويد عن الوعي الباطني والرغبات المكبوتة. كما فرض عليهم الواقع السياسي لنهاية الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات رؤى تشاؤمية وأحلام سوداء.
ربما تكون المفارقة الثانية الأهم داخل المعرض أن أعمال فناني «جماعة الفن والحرية» مثلت عدداً محدوداً جداً بالنسبة إلى مجمل الأعمال المعروضة، بينما أغلبية المعروضات كانت لفناني «جماعة الفن المعاصر». والحقيقة أن هناك وجهتي نظر داخل الحركة النقدية المصرية حول العلاقة بين فناني الجماعتين. الأولى، التي يتبناها منظمو المعرض بالطبع، ترى أن «الفن المعاصر» خرجت من رحم «الفن والحرية» ممثلةً امتداداً لها. أما الثانية فترى أن لا علاقة مطلقاً بين أعمال فنان كبير كعبد الهادي الجزار والسوريالية، وإن تشابهت الخطوط والرموز. وفي جميع الأحوال هي قضية إشكالية تحتمل النقاش وطرح الدلائل والبراهين. لذا كان الأوفق طرح الأمر كقضية سجالية تحتمل الأخذ والرد، وربط الأعمال المعروضة بسياقها التاريخي والاجتماعي.
مفارقة أخرى حملها المعرض هو البلبلة التي أثيرت حول عدد من اللوحات بسبب غياب المعلومات الواضحة عن تاريخها. شملت المعروضات لوحتين متطابقتين لعبد الهادي الجزار، كلتاهما بتاريخ 1951، معروفتين باسم «الكورس الشعبي» أو «الجوع». يقتني الأولى رجل الأعمال نجيب ساويرس، ويقتني الثانية «متحف الفن المصري الحديث». وقد بدت الأولى أكثر قدماً وأصالة من الأخرى، ما أثار الشكوك لدى كثيرين. وصل الأمر إلى الإشارة في جريدة «القاهرة»، على أن الثانية ربما تكون مقلدة وغير أصلية.
لكن البحث في الأمر كشف أن عبد الهادي الجزار رسم نسختين من اللوحة بالفعل. فقد تعرض للاعتقال ومصادرة النسخة الأولى من اللوحة، التي تصور أطيافاً من الشعب بملابس رثة، ضمنهم سيدة عارية، وأمامهم أطباق فارغة، مكتوب تحتها «هؤلاء رعاياك يا مولاي»، وكان يقصد الملك. وبعد خروجه من السجن، قرر إعادة رسم اللوحة في نسخة ثانية تطابق الأولى، ليحتفظ بها كذكرى تاريخية دفع حريته ثمناً لها.
مفارقة المعرض الأخيرة، والأكثر فجاجة، اكتشاف أن عدداً من الأعمال الأهم والأبرز للسورياليين المصريين، الذين سعوا إلى تثوير وعي الجماهير وهدم المُثل الرجعية، ورفضوا تسليع الفن، توجد ضمن مقتنيات عدد من كبار أصحاب الثروات من الأمراء ومشاهير رجال الأعمال. هذا التناقض أثار تحفظ ومخاوف الكاتبة مي التلمساني ابنة شقيق الفنان كامل التلمساني، أحد مؤسسي «الفن والحرية». برأيها أنّ الولع الراهن بأعمال السورياليين المصريين، وتحويلها إلى سلع رائجة داخل أسواق الفن العالمية اليوم، ربما يؤدي إلى إعلاء القيمة المادية لتلك الأعمال، لكنه بالتأكيد يمثل خيانة للروح السوريالية لـ «جماعة الفن والحرية»، التي تأسست كجماعة ثورية تسعى إلى تقديم فن مغاير موجه للجماهير. فالأكثر اتساقاً –من وجهة نظرها- لروح السورياليين المصريين هو تقديم أعمالهم في معارض شعبية مفتوحة.
ومع كل ما سبق، وعلى الرغم منه، يبقى معرض السورياليين المصريين حدثاً إيجابياً يستحق الإشادة بمنظميه، فيكفي أن الفرصة قد أتيحت لنا على مدى شهر كامل لتأمل كمية رائعة من الأعمال التشكيلية المصرية المعاصرة. ولا بد هنا من الإشارة إلى واحدة من أهم إيجابيات المعرض: إعادة اكتشاف الفنان راتب صديق، بعرض لوحته «أمهات، موكب السلام». وهي لوحة مبهرة تنتمي إلى التعبيرية، تصور موكباً من النساء الريفيات حافيات الأقدام حاملات بين أذرعهن أطفالاً مجردين من ملابسهم. ترمز اللوحة عبر تكوينها الملحمي وتعبيرات الفزع والبؤس على وجوه النساء، إلى الجزع من الحرب والأمل في السلام من أجل الأجيال القادمة.
كما تجب الإشادة بقيام المعرض بعرض أعمال سوريالية غير مشهورة لفنانين من السبعينيات. وجود سوريالية في السبعينات مسألة تستحق البحث والدراسة، لأنها تفتح الباب للتساؤل عن سبب اهتمام عدد من الفنانين الشباب في ذلك الوقت بإعادة إنتاج السوريالية؟!
الفن حرية... وثورة! وربما يكون أداة للمقاومة اليوم مثلما كان في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين.. فما أشبه الليلة بالبارحة، بفاشيتها وعنصريتها ورجعيتها، وأيضاً بآمالها وأحلامها في التحرر والخلاص!