«بأي زمن إعلامي نحن عايشين اليوم؟». السؤال الذي طرحه الإعلامي اللبناني طوني خليفة أوّل من أمس في بداية الحلقة الخامسة من برنامج «العين بالعين» الذي يُعرض على قناة «الجديد» (الخميس ــ 21:45)، سبق أن طرحه كثيرون مع تفشي حمى البرامج الاجتماعية اللبنانية المتسلّحة بالمواضيع الحسّاسة والمبتذلة الهادفة إلى الإثارة والساعية إلى زيادة نسب المشاهدة مهما كان الثمن! ومن بين هذه البرنامج ما قدّمه خليفة نفسه: «للنشر»، و1544، و«وحش الشاشة»...

أراد طوني خليفة لعودته إلى الشاشة الصغيرة هذا الموسم أن تكون مختلفة عن «وحش الشاشة» الذي أطل عبره العام الماضي وسقط سقطات كبيرة، من دون أن يلقى الرواج المطلوب. في «العين بالعين»، يتناول طوني قضايا تدور إما في فلك المجتمع أو الفن أو السياسة، تُناقَش عبر ضيف أساسي وآخرين ينضمان إليه لاحقاً، لديهما رأي مغاير، قبل أن يطل في النهاية أحد الصحافيين ليقوِّم الحلقة من وجهة نظره، على أن يلعب المقدّم دور «محامي الشيطان» طوال الوقت. وتتخلل بعض الحلقات تقارير مصوّرة مرتبطة بالموضوع لشخصيات من مجالات مختلفة. يحاول مقدّم برنامج «لمن يجرؤ فقط» استثمار تجربته المصرية في البرامج الحوارية التي حظيت بنجاح ملحوظ، ولا سيّما أنّ المحروسة «أرض خصبة» لمثل هذه المواضيع. لكن هل ينجح إسقاط التجارب السابقة على التلفزيون اللبناني؟

لم تُستخدم إطلالة والدة الشهيد علي البزّال في سياقها الصحيح

البداية لم تكن مبشّرة إطلاقاً، إذ غصّت الحلقة الأولى بالتحريض والطائفية. انطلاقاً من ممارسات «داعش» الهستيرية، وتحت عنوان «التكفير في الأديان»، كان المتابع أمام مشهد بغيض يتناول موضوعاً غاية في الحساسية بطريقة بعيدة عن العقلانية، تعزّز خطاب الكراهية والانقسام والتفرقة. علماً بأنّ خليفة قرّر أن تكون جميع الحلقات مسجّلة، تفادياً لإحراجات قد يسببها انفعال بعض الضيوف على الهواء.
الحلقة الثانية ركّزت على «قتال حزب الله في سوريا». كالعادة، انقسم الضيوف بين مؤيد ومعارض، ليكون التركيز في الحلقة التالية على الانتخابات الرئاسية اللبنانية قبيل جلسة الانتخاب في 31 تشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي، وفيما الكفّة راجحة لمصلحة العماد ميشال عون. لم يخرج طوني في المحطة المقبلة من السياق السياسي، وخصص الحلقة الرابعة للمسألة الرئاسية أيضاً ما بعد انتخاب الرئيس.
هنا تحديداً برز اختلاف ملحوظ عن كل ما سبق. السؤال الذي طُرح في مستهل الحلقة منطقي وراهن: لمن يعود الفضل في انتخاب ميشال عون للجمهورية اللبنانية؟ مَن منا لم يفكّر في الموضوع، ولا سيّما أن كلّاً من الأطراف الداخلية (والخارجية) يرى أنّه صاحب الدور الأساسي في إنضاج الطبخة. هكذا، استعرضنا آراء منوّعة لصحافيين من مختلف التوجّهات، تختصر ــ بواقعية ــ غالبية المشهد السياسي المحلي.
تحسُّن الأداء انسحب أيضاً على حلقة أوّل من أمس التي كانت بطلتها الصحافية اللبنانية المثيرة للجدل كارول معلوف التي لمع نجمها في الأشهر الماضية، وارتبط اسمها بـ «جبهة النصرة». في هذه «المناظرة»، اختار طوني خليفة اسماً «دسماً» يجذب المشاهدين، إلا أنّه هذه المرّة نجح في تأدية دوره بدقّة، إذ تمكّن من إحراج ضيفته وحشرها في الزاوية مراراً، غير أنّ المسألة اختلفت مع محاورته للمراسل الحربي ماهر الدنا المتهم بتسريب تسجيلات معلوف إلى «الجديد». بدا كلام الضيف مجتزأً، فيما لم تُستخدم إطلالة زينب البزّال، والدة الشهيد علي البزّال الذي أعدمته «جبهة النصرة»، في سياقها الصحيح. أما مداخلة المراسلة في «الجديد» راشيل كرم «التقويمية»، فأوحت بأنّ ما حصل بين كارول وماهر أشبه بـ «تواطؤ»، لكنّ أسلوبها جاء حادّاً وهجومياً إلى درجة غير مبرّرة، وصل إلى درجة الإهانة إحياناً.
إذاً، تمكن طوني خليفة أخيراً من الخروج نسبياً من الحفرة التي وقع فيها في الحلقة الأولى، فيما يستمر الرهان على تروّيه في اختيار ضيوفه وكيفية محاورتهم. فهل يبقى أملنا مستحيلاً في تبنّيه لصيغة يناقش من خلالها المواضيع الإشكالية من دون الاستسلام للعبة الـ «رايتنيغ» الأثيرة؟