الخيارات مفتوحة للكتابة. هناك التقني، هناك العاطفي وهناك العملي. في التقني قيل الكثير. في العاطفي «القوّالَة» كثيرون. هم مطلوبون دائماً، والطيّبون منهم (فقط) مشكورون على حبّهم. لكنّنا في هذه المناسبة، نختار المقاربة العلمية، العَمَلية، الملِحَّة والصادقة.

المشكلة الكبرى في علاقة اللبنانيين بفيروز (21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1935)، تكمن في أنّنا فتّحتنا كلّنا — جميع الذين هم على قيد الحياة اليوم — آذاننا على صوت فيروز. كباراً وصغاراً، نعتقد أن فيروز هي «الغناء». لم نقارنها بمن سبقها من مغنيات، إذ لم يسبق حضورها بيننا تاريخٌ من الغناء يمكن الركون إليه لكي يذهل المرء بالنقلة الكبيرة التي أحدثها ظهورها. ثم انحدر المغنى والفن وكانت فيروز لا تزال — كما هي الآن — هنا. بالتالي، اعتقدنا في لاوعينا أن الفن انحدر، لكن لم ندرك من أين انحدر.

فليتم استدعاء أهم مهندسي الصوت ومرمّمي التسجيلات الصوتية وليبدأ حفظ أرشيفها
فنحن اعتبرنا أنه انحدر إلى ما «تحت» فيروز، من دون أن نعرف «أين هي» فيروز أساساً. «سمعنا» أنه انحدر من نقطة عالية، لكننا لم ندرك يوماً أنه انحدر من إحدى أعلى قمم الغناء الشعبي في التاريخ. فمن يبدأ بالنظر إلى قمة الجبل ويجول نزولاً نحو الوادي، لن يعرف أن النقطة التي نظر إليها أولاً وانطلق منها كانت القمّة! لذا، يعتقد لاشعورياً أنه ربما انطلق من نقطة ما في سفح الجبل. نعم، نحن لم تتشكل علاقتنا بالغناء من أسفل السفح وأتانا التاريخ بأصوات كبيرة، فأكبر، ثم وصلنا إلى فيروز لكي نمتلك معطيات المقارنة والتقدير. ربما كنّا «علميّين» بالفطرة، فوضعنا إحتمال أن يكون أول صوت نسمعه آتياً من نقطة عالية، صحيح، لكن ليس بالضرورة من القمة. انتظرنا، سمعنا أصواتاً من نقاط مختلفة، آتية كلها من على هذا السفح الدقيق بمستوياته. سمعنا نشاز القعر، توقّعنا صعوداً طفيفاً فحصل (لا يخلو الأمر)، ترقّبنا عقوداً احتمال أن يكون لهذا الجبل قمّة ممكنة تذهلنا كالأعجوبة، فلم يحدث شيء. مرّت أكثر من ستة عقود من الترقّب. إنها فترة كافية لكي ننهي هذا الاختبار العلمي التاريخي ونكتب الحقيقة في ختامه ونعلنها للعالم بحزم وتواضع وهيبة: جبل الفن والمغنى في لبنان له قمّة واحدة. رأيناها وأثبتناها: فيروز.
إذاً، ماذا ننتظر بعد؟ فإلى العمل. لفيروز أرشيف ضخم، غير الذي تبثّه الإذاعات وغير الذي نمتلكه في بيوتنا وغير المنشور والمتوافر في السوق (برغم ذلك لا تبث الإذاعات إلاّ عُشْره!). لذا، فلتُشكّل لجنة تابعة للوزارات المعنية ولتتصلّ بالمؤرشفين وبريما الرحباني وبالإذاعات التي سجّلت فيها فيروز اسكتشات وأغنيات وبرامج ولتنطلق ورشة العمل لإنجاز «أكمَل» مكتبة ممكنة. فليتم استدعاء أهم مهندسي الصوت في العالم وأهم مرمّمي التسجيلات الصوتية وليبدأ الحفظ بأفضل ما تتيحه التكنولوجيا اليوم. فليُعلَن (قبل اليوم الوطني الذي يحمل اسم فيروز) عن خزانٍ يستقبل أرشيف مقابلاتها وصورها وتسجيلاتها غير الرسمية، وليتم ترميمها وتبويبها وحفظها. فليجتمع المؤرشفون الهواة حدّ الهوس الجميل، أمثال رمزي خوري وسامي رستم ومحمود زيباوي (وغيرهم)، في خلية واحدة تديرها الدولة، وليضعوا معارفهم ومقتنياتهم في تصرّف التاريخ، وليُصرَف لهم بدل أتعابهم بما يليق بحبّهم ومثابرتهم وسعيهم. فليجتمعوا دون «منافسة» (إن وُجِدَت). فلتفرِج ريما، مع كامل الحقوق المدفوعة من قِبَل الدولة، عن أرشيفٍ يُشرِف زياد (ولا أحد غيره) على انتقاء ما يصلح منه للنشر من تسجيلات فيروز حيّة. ماذا بعد؟ لسنا أصحاب الاختصاص. على الدولة أن تجد من يعرف ما الذي يجب أن يتم العمل عليه بعد، وذلك دون «أرز أخضر» ولا شعارات مثل «رفع اسم لبنان عالياً» و«وجه لبنان الحضاري» و«ستة/سبعة آلاف سنة حضارة». عنوان الورشة غير المعلن يجب أن يكون: المسؤولية، التفاني، المهنية، الشغف والعِلم.
هذه ورشة الماضي. أما الورشة الأهم (لأنها قابلة للموت إلى الأبد) فهي تأمين ما يمكن أن تعطيه فيروز بعد. هنا المحوَر واحد: زياد. أما المسؤولية فمشتركة بين الدولة وزياد وفيروز/ ريما. الدولة: تشكيل لجنة ثانية (المواصفات المذكورة أعلاه) لتأمين موسيقيين محترمين مهما علَت أجورهم وتأمين مستلزمات التسجيل (في أي مكان من العالم يحدّده زياد فقط) وتأمين كل الظروف لتسهيل العملية لوجستياً وتقنياً. من جهة زياد، المسؤولية واضحة: الإبداع. أما فيروز وريما فمسؤوليتهما تاريخية: بعض التأمّل كافٍ لتخطّي الصغائر.
رنّ منبّه الواقع. استيقظنا من حلمٍ علميّ جميل… Happy Birthday فيروز