«ليل 21 تشرين الثاني 1943، رأيت أضواء الأسهم النارية تبرق في سماء صيدا. قالوا إنّه الاستقلال. إلى وعيي تسرّبت مقولة (الدم فداء للوطن)». هكذا نقلت الأديبة يمنى العيد أجواء فجر الاستقلال في كتابها «أرق الروح». لم تكن طفلة السنوات السبع حينها تلهو في أزقة صيدا القديمة. كانت مندسّة في أحد أسرّة مستشفى عين الحلوة، بين أكوام القطن الذي يمتص دمها النازف من قدميها الملفوفتين بالجفصين. أنقذها الطبيب نزيه البزري من بتر قدمها اليمنى، لكنّها قبعت للعلاج ستة أشهر بين مستشفيي عين الحلوة وسعد الله الخليل في صيدا، قبل أن تقبع لعامين متتاليين في المنزل وتنقطع عن الدراسة. لم تصب العيد أو حكمت الصبّاغ، في مرتع أقرانها. بل كانت واحدة من أبطال وبطلات معركة الاستقلال.

بعد أربعة أيام على اعتقال بعض قادة الدولة في قلعة راشيا، خرجت تظاهرة احتجاجية في صيدا، التي كانت مضربة على غرار المدن الأخرى. عدد من الأهالي والطلاب والطالبات خرجوا من ناحية حي الشاكرية باتجاه مركز القيادة البريطانية في حي القملة بعد مقر المندوب الفرنسي (مبنى «قصر العدل» القديم حالياً). أمام ساحة السرايا، «التقى المتظاهرون بفرقة القناصة الفرنسية التي انتشرت حول السرايا خلف ثلاث مصفحات حربية»، حسب كتاب التاريخ للمؤلف منير خوري. العيد تنقل عن رفيقاتها في التظاهرة أنّ معلمتها نجاة عسيران «كانت في مقدمة المتظاهرين. عندما حاول العسكر منع التظاهرة من متابعة مسيرتها، أصرّت على اختراق حاجز المصفّحات. دفعها العسكري بقوّة، فصفعته على وجهه. وبدأ إطلاق الرصاص من الجنود الفرنسيين على التظاهرة». الطفلتان ثروت صبّاغ وشفيقة أرقدان «اللتان نزفتا حتى الموت» والفتى سعيد البزري «الذي لا تزال صورة أمعائه المدلوقة من بطنه عالقة في مخيلتي حتى اليوم»، تقول العيد. أما هي، فنزفت مرمية على الأرض حتى أسعفها رجل بعد أكثر من ساعة ونصف ساعة عندما توقف الجنود الفرنسيون عن إطلاق الرصاص.
قدم الأنثى التي لم تستوِ مشيتها منذ 73 عاماً وجراح العشرات سواها من جرحى وجريحات تلك التظاهرة، لا يذكرهم التاريخ ولا يحتفي بهم الاستقلال ضمن من تبناهم بشكل حصري على أنّهم «رجالات معركة طرد المستعمر الفرنسي». لم يخطر ببال المتظاهرين أو تلك البطلة الطفلة، الأوسمة وأكاليل القبور والتماثيل التي اختصرت المناسبة لاحقاً. «كنت خائفة من أن يراني أهلي أمشي في التظاهرة. صرت أختبئ بين المتظاهرين. لكني كنت مبسوطة أنادي (بدنا عادل، بدنا بشارة، بدنا الصلح) وبخروج الانتداب الفرنسي»، تقول العيد في حديث إلى «الأخبار».
أقلعت العيد عن الماضي الهرم. لكنّها عندما كانت لا تزال ملتصقة فيه بعد سبع سنوات على إصابة الاستقلال، اصطحبها رجل إلى السرايا الحكومية في بيروت لمقابلة رئيس وزراء الاستقلال رياض الصلح «للطلب من الدولة التكفل بتعليمي باعتباري من جرحى الاستقلال، وبعدما نلت شهادة البريفيه كأوّل فتاة من صيدا». انتظرا في أحد الممرات مروره. ما إن أطل وأسرع الرجل ليسلم عليه «تابع سيره كأنه لم يره. ولم يرني الرئيس الذي سال دمي وأنا أردّد اسمه يوم اعتقاله».
تختصر صيدا الاستقلال برياض الصلح وعادل عسيران. ويكاد لا يتنبه كثيرون إلى أن الشارع حيث وقعت المجزرة سمّي شارع الشهداء. لكن صيدا قبل تظاهرة 15 تشرين الثاني انتفضت في 12 تموز 1936، فأطلق الفرنسيون النار على المتظاهرين وسقط شهيدان، ما دفع بالشهيد معروف سعد إلى اقتحام مقر الانتداب في حي القِشْلة، حيث أصيب في كتفه وسُجن لمدّة عام.
طرابلس ليست أقل تهميشاً في المناسبة. المواجهات التي وقعت في 13 تشرين الثاني بين المتظاهرين والفرنسيين ضد اعتقال عبد الحميد كرامي ورفاقه، أوقعت 14 شهيداً و25 جريحاً. في مقابر «شهداء الاستقلال» في باب الرمل، لا أكاليل وضعت، بل أعشاب برية غطت المكان المتروك.
أما النبطية، فقرّرت التوقف عن انتظار إنصاف دورها في معركة الاستقلال. للمناسبة، كرّمت نائبها ووزيرها الراحل محمد الفضل الذي يبرز اسمه كواحد من الموقّعين بخطه على قصاصة العلم اللبناني الأولى في 11 تشرين الثاني 1943، في حين يغيب اسمه عن لائحة رجالات الاستقلال الرسمية! بلدية النبطية و«المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» و«جمعية بيت المصوّر في لبنان» ومعرض خليل برجاوي لطوابع البريد، احتفوا بالفضل الذي كرّمته وزارة الاتصالات و«ليبان بوست» بإصدار طابع بريدي يحمل اسمه من ضمن 15 شخصية من «رجالات الاستقلال» يوم الجمعة الفائت.