منذ نهاية الأسبوع الماضي، بدأ معظم القاعات التونسية في العاصمة وخارجها عرض الشريط الجديد لرضا الباهي (1947) «زهرة حلب» (2016) الذي تسهم في إنتاجه النجمة التونسية المقيمة في القاهرة هند صبري. ويشارك في بطولة العمل إلى جانب هند صبري، نجمان من نجوم الشاشتين الصغيرة والكبيرة في تونس، محمد علي بن جمعة وهشام رستم.

الشريط الذي افتتح الدورة السابعة والعشرين من «أيام قرطاج السينمائية» في ٢٨ تشرين الأول (أكتوبر)، يحقّق منذ بداية عروضه إقبالاً متوسطاً، وقد تعرّض لموجة انتقادات فنية من نقّاد السينما. إذ اعتبره معظمهم أقرب إلى العمل التلفزيوني منه إلى السينما، استناداً إلى بساطة الحكاية وتفكّك الخطاب الدرامي. ذهب بعض المتابعين لمسيرة رضا الباهي صاحب «شمس الضباع» و«صندوق عجب» و«شامبانيا مرّة» وغيرها من الأعمال السينمائية التي قدّمها على مدى خمسين عاماً، إلى اعتبار هذا الشريط من أضعف أعمال الباهي.

رحلة أم إلى سوريا بحثاً عن ابنها الذي التحق بـ «جبهة النصرة»

هذا الرأي النقدي مخالف تماماً لتقبّل الجمهور العادي الذي أقبل على العروض الخاصة الأولى، ورأى الشريط معبّراً عن المحنة التي تعيشها تونس منذ صعود الترويكا إلى الحكم واستقبالها لـ «مؤتمر أصدقاء سوريا»، وقطع العلاقات الديبلوماسية معها، لتكون تونس بوّابة تصدير «الجهاديين» الذين يحاربون منذ أربع سنوات النظام السوري، ويرتكبون الجرائم باسم الإسلام. والتونسيون والتونسيات هم الأكثر عدداً اليوم في سوريا وفق تقارير المنظمات الدولية، ويشكلون خطراً حقيقياً على مستقبل تونس واستقرارها، وهي بسبب هذا مهدّدة بسيناريو الجزائر في التسعينيات.
للفت النظر إلى هذه المأساة، اختار رضا الباهي حكاية أسرة تونسية صغيرة. الأب فنّان تشكيلي ونحّات اسمه هشام (هشام رستم) والأم سلمى (هند صبري) ممرضة تعمل لحسابها الخاص في سيّارة إسعاف. يعود الاثنان من فرنسا مع ابنهما مراد (باديس الباهي). الشاب يبلغ الثامنة عشرة من عمره، وهو تلميذ في السنوات النهائية من التعليم الثانوي. يعشق الموسيقى ويعزف على آلة الغيتار، وله صديقة صغيرة تدرس معه في الصف نفسه.
بعد انفصال الوالدين، يعيش مراد أزمة نفسية وينجح المتشدّدون في استمالته تدريجاً، فتتوتّر علاقته بوالديه المنشغلين عنه كل بحياته الخاصة. وفي غفلة منهما، يحطّم آلات الموسيقى التي يعشقها ويدمن الاستماع إلى خطب «الجهاديين»، ويلبس اللباس الأفغاني، ويغادر المعهد ليلتحق بحلقات الدروس التي يقدّمها شيوخ «الجهاديين» الذين سهّلوا له الالتحاق بجبهة «النصرة» في سوريا.
تكتشف سلمى حقيقة المصير الذي انتهى إليه ابنها، فتقرّر السفر بدورها إلى سوريا بعدما نجحت في إيهام الوسطاء بصدق رغبتها في «الجهاد». تنجح في الالتحاق بجبهة «النصرة». وفي أولى العمليات، تأسرها مجموعة منافسة، وتتعرّض للاغتصاب والتنكيل الجنسي والنفسي. وعندما تنجح في الهروب من قبضة مغتصبيها وقتلهم عندما كانوا مشغولين بالغداء وعلى باب مكان اعتقالها، تُقتَل برصاص ابنها الذي لا يعرف هويّة القتيلة، إلا بعدما غادرت الحياة ليكون هذا المشهد الدامي نهاية الشريط.
عن هذا الشريط، قالت هند صبري لـ «الأخبار» إنّه يكرّم المرأة التونسية التي تناضل من أجل إنقاذ تونس ومشروعها الاجتماعي والحداثي أمام صعود التيارات المتطرفة. ورأت أنّ من حق النقّاد أن يقوّموا الشريط كما شاؤوا، لكنه تعبير عن محنة تعيشها تونس والبلاد العربية. محنة التطرّف وقتل الأبرياء باسم الإسلام وشبكات تجارة البشر. فهؤلاء الشباب الذين يتخلّون عن دراستهم وعائلاتهم مقابل التجنيد في شبكات أرهابية هم ضحايا بقدر ما هم مجرمون.
«زهرة حلب» الذي تتواصل عروضه حتى نهاية الشهر الجاري، أكّد مرّة أخرى الأداء العالي لهند صبري التي أبدعت في أداء دورها إلى حدّ أنّ عدداً من المشاهدين، خاصة الأمّهات، بكين من شدة التأثر.