فتاة البار ترافق الشاب الغنيّ في سيارته إلى قريتها. تسرح متأملة بنظرة مصطنعة من شبّاك السيارة، فيسألها «علامَ تتفرّجين؟»، فتجيب: «أشاهد الطريق...»، و«هل يعجبك لبنان؟» يسأل، فتردّ: «هذا أجمل بلد في العالم!». لكن الشاب الذي يتهيّأ للسفر، وقد أتى إلى بلده في صفقة أعمال تجارية، يخالفها الرأي ويحسم القرار: «بل هذا أبشع بلد في العالم»، لتفحمه بالجواب السحري «لا هيدا أجمل بلد بالعالم، بس نحنا خربناه».

ما ورد سيفاجئ الجميع بأنه مشهد سينمائي، في نهايات عام 2016، وبعد كل ما حصل من ثورات في هذا الفن، لا يخجل صنّاع هذا المشهد بما اقترفوه، ضمن أحدث ما أنتجته السينما اللبنانية في فيلم «لأنّي بحبك» (كتابة كريستين بطرس وإخراج إيلي ف حبيب ــ بطولة وسام صليبا وهشام حداد وكريستينا ــ إنتاج مروى غروب/ مروان حدّاد). يبدو المشهد كأنه رديف موضوعي لدعاية التشجيع على السياحة اللبنانية، التي أدتها يارا وعاصي الحلاني «في أحلى من لبنان؟» وتحولت مع تردي الوضع الخدماتي، إلى محطّ تندّر وسخرية. وعلى الغالب، فإن فجاجة الحوار ومباشرته، والنمط الإنشائي البليد في طرح هذا المشهد كفيلة بتلخيص الحالة العامة للفيلم. وللأمانة، لم يخيّبنا الشريط، ولم يعلُ فوق سقف توقعاتنا، بل صدق بوعده المفترض. وفق مراقبتنا للحركة السينمائية، فقد جاء منسجماً مع سياق تجاري/ سياحي عام، بات يخرج علينا بأردأ صوره على شكل أفلام سينمائية، ينتظرها في بعض الصالات سبعة مشاهدين لا أكثر!

أداء تمثيلي باهت أجهز على المحاور المتراخية للنص

«لأني بحبك» (101 د) ينمّ عن عجز حقيقي في المخيلة، وركاكة في الإدارة الفنية، وقصور في البنية، وفلتان في الإخراج، وبدائية في التمثيل. وربما لا يوجد طائل من تلخيص قصة الشريط، طالما أن معظم الأفلام التجارية في لبنان باتت تحوم حول مركز واحد، إذ لا بد من أن تتعرض حياة أحد للخطر، وغالباً ما ينجح أصدقاؤه في تهريبه... وهذا ما حصل مع «إنجي» (تلعب دورها ببلاهة فنية مدهشة ممثلة جديدة اسمها كريستينا) عندما استعان بها «غدي» (وسام صليبا) لترافقه، مقابل مبلغ مالي بعدما تعرّف إليها في البار، إلى غداء مع شريكه «زيكو نحّاس» (هشام حداد) لتقنعه بأن يشتري حصّته في الشركة. وفي المشوار الثاني، سيطلب حداد أن يقيم علاقة مع الفتاة مقابل توقيع العقد، وهو ما توافق عليه على أساس أنها خدعة، مقابل إتمام الصفقة. سيعرّضها الأمر لملاحقة زيكو، في وقت تولد فيه قصة حب طارئة مع غدي، تجعلهما ينتقلان للعيش في فندق بعيداً عن أعين رجل الأعمال الجشع، ويقيمان علاقة جنسية تكرّس حالة الحب. لكنها تولد بعدما عرض الرجل على الفتاة مبالغ طائلة مقابل قبلة، ستوافق عليها مجاناً لتكشف السر الوجودي للفيلم، حين تقول له بعد تمزيق الشيك «لأني بحبك».
لكن مكالمة غدي مع صديقه، وتشجيع الأخير له بعدم التورّط في قصص حب، تعيق حالته النفسية. عندها، ينصاع غدي لزيكو، لتنقلب الموازين، ما يدفع بالفتاة، بعد استماعها للحديث، إلى هجر حبيبها، ومن ثم تتنكّر وتختبئ، بفضل أصدقائها في الحيّ، في مكان بعيد عن عيون زيكو ورجاله، من دون أن يملّ من مطاردتها. هكذا يستدلّ العاشق الولهان إلى مكان حبيبته، ويهديها أوراق إعادة أملاك والدها الضائعة ويفوز بها وتنتهي القصّة.
غالباً، ليس هناك أكثر سذاجة من هذه الطروحات التي لا تملّها السينما اللبنانية، لكنها تبدو هنا بمثابة وصفة مثالية لتبديد الوقت، والانحدار بالذائقة العامة، والسير بالفن السابع نحو طرق معوجّة واستسهال وقح. يقع الفيلم من حيث لا يدري في مأزق ذكوري، ويقوم بتسليع المرأة، والتعاطي معها كأنها بضاعة تعرض للبيع، أو تستأجر لإقناع رجل شره بإتمام صفقة تجارية، قبل أن يسوّق لفكرة قبولها عرض مبلغ مالي مقابل قبلة تمهيدية لعلاقة حميمة.
المحاور المتراخية للنص أجهز عليها بالضربة القاضية أداء تمثيلي باهت يجعل المتابع مترفّعاً عن الدخول في تفاصيل بسيطة، حين يشاهد شقة فخمة في منطقة راقية تعيش فيها فتاة فقيرة تعمل في بار من أجل إعالة أمها المريضة! لو ابتعدنا قليلاً عن أداء صاحبة التجربة الأولى وبطلة الفيلم كريستينا، واعتمادها كلياً على شكلها الخارجي، وفهمها الخاطئ للإغراء، ومخارج الحروف المربكة لديها، وغياب أي دور للضبط الإخراجي في شغلها، فإننا سنتوقّف حتماً عند الجرعة المفرطة من الحضور الثقيل لهشام حداد. يبدو الأخير كأنه يجسد إعلاناً تجارياً لماركة رديئة من مشروب الطاقة، باذلاً جهداً مفبركاً لإقناع المشتري بها دون فائدة. بالنسبة إلى وسام صليبا، الممثل المفضّل لمنتجة العمل «مروى غروب»، فإن الشريط يفضح أن الرجل قد غاب تماماً عن الدرس الأوّل في فن التمثيل، وتحديداً ذلك المتعلّق بضبط حركات الجسد، والبدء برسم الشخصيّة انطلاقاً من عوالمها النفسية، وصولاً إلى شكلها الخارجي وحركاتها، وخاصة مشيتها. رجل الأعمال الغني الذي حفر بالصخر ليصل إلى ما هو عليه، يستحق بأدنى الاحتمالات مشية أفضل، وأداء أقل تشويشاً من هذه الحركات «التجغيلية» التي يؤديها صليبا أمام كاميرا التلفزيون، ويعيدها ذاتها في السينما، وربما يجسّدها في حياته الطبيعية! «لأني بحبك» وجبة حقيقية من الخواء الفكري، وغياب الموهبة، وعبث الفكر التلفزيوني بحالته اللبنانية المنحلّة فنياً في ميدان السينما المستباح!

«لأني بحبك»: صالات«غراند سينما» (01/209109)، «أمبير» (1269)، «فوكس» (01/285582).