فلنتخيّل الحمرا في الستينيات. في السبعينيات وفي الثمانينيات. الخيال مجاني. ثمة من ينفر من هذا تلقائياً: مكرر، حنين «عالفاضي». بكاء على الأطلال. الحمرا سابقاً لا معنى لها، ما يهمّنا هو الحاضر المتحول. سأم الحاضر، ربما، عنوان من روح بودلير. سأم الحديث عن الماضي. وعن الحاضر. ولكن «أبو جميل» ما زال مقيماً. وإلى جانبه «أبو نعيم». رمزان من رموز المدينة.


بطلان مجهولان، وشاهدان، من نوافذ الأكشاك على الشارع، بأصالته الملتبسة وحداثته الملتوية. صحيح أن «أبو نعيم» كان يبيع في الثمانينيات خلال الأسبوع 50 عدداً من «برس دو ليبان» الفرنسية، و75 عدداً من «التايم» الأميركية، وفي اليوم 150 عدداً من «النهار»، وأن العدد نزل إلى 20 من كل الصحف والمجلات مجتمعةً، لكنه ما زال مقيماً. وتقيم معه ذكرياته، التي ينبش منها مجلة «الحوادث»، التي باع مئات النسخات منها بعد «إيران غايت». كان سليم اللوزي يجلس في «المودكا». المودكا؟ هذا حنين يجتر نفسه أيضاً لا يعرفه من هم دون الثلاثين في بيروت. بين 1965 و1975، كان العدد بليرة ونصف، وعند الرابعة ظهراً، تنفق الأعداد كما ينفق السمك. يصطادها الرواد. ما يذكره الستيني هو أن «المستقبل» باعت 600 نسخة غداة صدور «تقرير ميليس». تبيّن لاحقاً أن التقرير «تفنيصة»، ولكن ما هم البائع. ليس لديه حسابات. الصحافة صحافة، الجرائد جرائد. والكيوسكات على أرصفة الحمرا كيوسكات. وهو يبيع. يفتقد الزبون الكويتي الذي لا يعرف عنه شيئاً، سوى أنه كان يأتي صيفاً، ويطلب كل المجلات والصحف. تقريباً مئة دولار، كلفة كل هذا. ولكن «كان في حركة، والعز كان عإيام الحريري».

نحن المارة العاديين نعرف ما نعرفه. أطراف القصة وذيولها، وسعداء بأن نتناول الصحيفة حين نطلبها، أو حين ترتطم عيوننا بأحد الكيوسكات ونبتسم: لدينا مدينة. لكن القصة طويلة. في أوائل التسعينيات، عندما حوّل الباعة بسطاتهم إلى أكشاك، جاءت البلدية وجاء المحافظ. جاء وحش الدولة ليأخذ مكان وحش الحرب. اقترحت السلطات، أو طلبت، من باعة الصحف أن يدفعوا 4 ملايين ليرة سنوياً، مقابل كل كشك. كنّا في بداية التسعينيات وكان الرقم مضحكاً للباعة. يتوجب التذكير أن لدى هؤلاء «رخصة» كانت سارية منذ 1965، في بداية الشارع ونهوضه الأثير، لكن «تجار الحمراء جمّدوها»، كما يقول أحد الباعة. التجّار تجّار، والباعة باعة. والفارق الرأسمالي بين فريقين يميل إلى مصلحة الأوائل. الباعة «بروليتاريا»، بلغةٍ يساروية ترنو إلى المزاح. على الطريقة اللبنانية آنذاك، حلّت المسألة، وصار هؤلاء يدفعون 100 ألف ليرة لبنانية، وأخذوا مواقعهم في الشارع، حتى صاروا كالأشجار جزءاً منه.


واظب بشير وأمين الجميّل
على التدرّب على مهنة
المحاماة عند أمين سنّو في
مبنى «الدومتكس»

التسوية على أيام زياد بارود، الذي كان متفهماً، قضت بأن تستمر تعرفة المئة ألف ليرة، بدلاً من المطالبات بالملايين، التي حملت صيغة 10% من قيمة الاستثمار. وما زالت «التسوية» سارية، حتى قرر المحافظ الجديد أن يبحث في المسألة. الأمل بأن يكون «متفهماً» هو الآخر ما زال موجوداً. نُقل لهم أن النيابة العامة أوقفت التعقب. أنهم ليسوا «مهددين». الباعة في الحقيقة لا يبيعون، أكشاكهم أقرب إلى الزينة منها إلى التجارة. أما الفترة الذهبية، فهي «فترة الحريري»، يصرّون جميعهم بلا حسابات أو تكلف. وهذه مصادفة «رأسمالية» أخرى. الحريري المقصود هنا هو الحريري الأب. لا يجد الباعة حرجاً في قول الحقيقة، رغم أنهم «مدعومون» من فريق سياسي آخر، وبالمعايير اللبنانية «محسوبون» على رئيس مجلس النواب، الذي يكنون له محبّة واحتراماً خاصين، وطبعاً، ولاء حاسماً. وهكذا تجري الأمور في لبنان. السجال ليس في «الأوربانيزم»، وليس في هوية الشارع، التي تتشكل تدريجاً وتساير المتحولات، ولا في أهمية «الكيوسك» كمسيّل للحياة المتجولة في المدينة إلى جانب الحياة المقيمة. السجال «سياسي ــ ثقافي» دائماً.
يتذكر أبو نعيم الرئيس المنتخب والميليشوي الشاب، وشقيقه صاحب تسريحة الشعر الأنيقة التي لم تتغير منذ الحرب الأهلية. بشير وأمين الجميّل. «الباش»، وشقيقه شبيه ريشارد غير. كانا يشتريان «النهار» من «بسطته»، ولكن ما يلفت في الموضوع، هو أنهما كانا، لفترةٍ غير وجيزة، من زوار المبنى الذي يعرفه «جماعة الحمرا»، أي مبنى «الدومتكس» الشهير، حيث يقبع تحته درج يستغله البوهيميون لشرب البيرة وتناول النقولات في استراحاتهم من الحانات المضجرة. لقد واظب بشير وأمين على التدريب هناك، على مهنة المحاماة، عند المحامي أمين سنّو، قبل مجيء البوهيميين. بشير كان «متل هالشباب»، يقول أبو نعيم. يجلس في «الهورس شو»، مع نظارات «على الموضة»، ويقرأ الصحيفة، متباهياً بما كان يمكن التباهي بهِ في ذلك الوقت. وإن دلّ هذا إلى شيء عموماً، فإنه يدلّ على الحضور الكتائبي الثقيل سابقاً في موزاييك الحمرا، بينما ترتفع اليوم فيه أعلام الحزب السوري القومي الاجتماعي، الخصم التاريخي للكتائب. لاحقاً انطوى الجميع في الحرب، بشير الجميّل صار قائد ميليشا، ورئيس جمهورية «على دبابة إسرائيلية»، وخلفه شقيقه أمين بتسوية عجيبة. بقي الشارع في مكانه، لم ينتقل إلى «بلِس»، أو يتراجع إلى الخلف باتجاه وسط المدينة السوليديري، حيث لا تنفع الأكشاك، ولن تجد الصحف من يشتريها.
فعلت الديموغرافيا فعلتها، وصارت الحمرا بعيدة نسبياً عن آل الجميّل الذين «تمركزوا» في الأشرفية، لكن الزوار بقوا زواراً. أبو نعيم يقول إن «النهار» ما زالت مرغوبة، وإلى وقتٍ ليس بعيداً، كان جبران تويني من الذين وقفوا ودافعوا عن وجودها أكثر من مرة. ذات مرة، جاء شخصياً وتضامن معهم، في إحدى جولات «المعارك» بعد الحرب، ضدّ الدولة، التي اصطدمت بفقرائها الناجين من الحرب. نقيب الصحافيين محمد البعلبكي وقف معهم أكثر من مرة «وحمل التلفون واتصل بوزير وبنائب لضبضبة محاولات إغلاق الأكشاك». وفقراؤها ليسوا وحدهم قرّاء صحف المدينة، إنما الأغنياء أيضاً. كان الرئيس الأسبق فؤاد السنيورة، ينادي «أبو رياض»، لكي يحضر له «السفير»، عندما كان يعمل في المصرف المركزي. وسجّلوا هذا جيداً: الرئيس السنيورة تساهل ذات مرة بشأن تسوية وضع باعة الأكشاك «من زاوية إنسانية». الرئيس السنيورة، الرأسمالي بطبيعته وتركيبته الاقتصادية المعقدة، هو إنسان في نهاية الأمر. ومثله مثل الرئيس سعد الحريري، الذي يمرّ في الشارع، ويرى الأكشاك. يشعر بوظيفتها المدينية رغم أنه ليس مختصاً في شؤون «الأوربانيزم». سردية رقيقة تتشابه مع سرديات رجال العصابات الصقليين «الطيبين» الذين يحمون مناطقهم من الدولة بمظهرها الإمبريالي. في بيروت، وظيفة الأكشاك «الأروبانيزمية» هي التي حمّت الأكشاك غير مرة، من «عنفوان» المحافظ عندما يتم تعيين محافظ جديد، ومن «هجمات» البلدية، التي تكتشف أنها بلدية، عندما تطالب باعة الصحف الذين لا يبيعون إلا القليل بالملايين. في الواقع، لا يبيعون شيئاً للشارع سوى وجودهم، أي أنهم يحافظون حتى آخر رمق على حياتهِ، كي لا يستحيل مجمعاً تجارياً مقززاً، أو معرضاً للفرجة على ذاكرات السابقين. الأكشاك تواجه وحشين، اعتاد صغار الحرفيين على مواجهتهما في العالم: الحداثة، والمافيا.
بيروت رغم كل شيء تبقى أصغر من الحداثة. الحداثة عملاقة. أما المافيا فهي عبارة عن مجموعة كبيرة من الفقراء يعملون لمصلحة مجموعة صغيرة من الأغنياء. العالم هو المافيا. وبيروت محطة.




محمود أبو الحسن: البلد (مش) ماشي




يفرش محمود أبو الحسن أيامه على أول الرصيف منذ 25 عاماً. ليس لدى الرجل ما يخفيه. عيناه تعرفان أسرار الشارع والشارع يعرف قامته الضئيلة التي تحرس العبور. شغفه واضح بالمكان وبالزائرين العاديين ونظرائهم الذين يبالغون في المجيء إلى الشارع الطويل. يقيم بين صحفه ومجلاته والكتب التي لا توجد في المكتبات عادةً. يرّتب الكيوسك بتأنٍ كما لونه يرتب منزله، هناك على الزاوية تماماً في مواجهة المقهى، منذ كان «الويمبي» قبل «الكوستا».
ننتظر منه أن يطلق شكواه المتوقعة، فلا يخيّب أملنا. يكرر تذمره مراراً من تقادم الأجيال بسرعةٍ تتجاوز نوستالجية الشارع وملل الحديث المجتر، ومن الحداثة على طريقة ضحاياها بلا دلع ولا تكلف. كارهو الحداثة لأنها تعارضت مع مصالحهم وعمِلت ضدّ يومياتهم، وليس لأنهم تشظوا في مجتمعٍ يظن نفسه مدنياً وهو مائع في ليبراليتهِ حتى آخر فقرة في سلسلة ظهره. يقول ما انتظرنا أن نسمعه متذمراً من الإنترنت والتليفونات والواتساب. لديه ما يفاجئ دائماً في نبرته، وفي إيماءة من يده تقطع طريقاً على سؤال آخر توقعه عن الحلول المفترضة لحماية الورق.
الزبائن غالباً فوق الخمسين. وبعد عقدٍ يصيرون فوق الستين. وهكذا دواليك. يأتون لشراء مجلات من نوع «نادين»، «الشبكة»، و«تسالي»، التي تعد الأكثر مبيعاً. يبيع جميع الصحف، ولا يذكر إحصاءات، فهذه ليست مسؤوليته. يتكئ على ذاكرته وعلى «الناس الطيبين». وبعد إصرار يذكر أنّ زبائنه قد يشترون صحفاً لا تبيع عادةً مثل «الديار» و«الأنوار» وهم يواظبون على عاداتهم منذ وقتٍ يحسبه طويلاً. ثمة من يشتري «الجمهورية» أيضاً، يعقّب ضاحكاً. يفلفشون في جرائدهم وهو يفلفش في وجوههم. يعرف من منهم يقرأ هذه الصحيفة، وذلك الكاتب، ويعرف من منهم تمكن منه السأم ويأخذ الصحيفة من أجل الكلمات المتقاطعة، أو من أجل أن يشتري صحيفة. ويردف لازمةً تكاد أن تكون حصرية لسائقي سيارات الأجرة: «العالم ملّت». وإن كان هو شخصياً لا ينوي الملل، وتبرق عيناه بفخرٍ عند الحديث عن «أيام العز» في بداية التسعينيات. في 1996 أخبره «مستشار الرئيس إلياس سركيس» أن الحرب انتهت. كان في الشارع وكان يعلم أن الحرب انتهت ولاحظ ذلك من زاويته الصغيرة قبل الجميع. قال له شكري نجار «يا محمود رح يرتاح لبنان ويخترب بيت لي خرّبوه». هذه الرؤية الثاقبة للمستشار لم تتحقق. البلد (مش) ماشي. وجاءت الحداثة والهواتف النقالة والإنترنت ومطاعم الفاست فود، ولم يكن ذلك في حساب بائع الصحف البسيط.

◆ ◆ ◆


«أبو نعيم»: تغيّر كل شيء



كان «أبو نعيم»، ولا يُعرف في الشارع إلا بهذا الاسم، يقوم بمهمات يومية محددة، تفاوتت عبر الزمن. في السبعينيات، كانت غالبية الزوار من الأجانب. يشترون مجلات بلغاتهم، ويحاولون التحدث بلغةٍ بيروتية سايرت الحداثة حتى تطبعت فيها، إلى حدٍ صار اليوم استعراضياً، وفرغ من معناه.les kiosques à journaux de Beyrouth sont comme ceux des Champs-Élysées، كان الصحافي الفرنسي يقول لأبو نعيم، مادحاً وممازحاً في آن. في الثمانينيات، كانت الحرب في أشد صولاتها وجولاتها، وكانت صحف «الحرب» تبيع أكثر من غيرها، يقصد هنا «النهار» اليمينية، و«السفير» التي وقفت إلى جانب اليسار منذ نشأتها. وقراء الصحف تنوعوا طبقياً، في مدينة التفاوت الطبقي، بين أغنياء المدينة ومن هم في القعر. مُنظرّون ومستفيدون ومحاربون. الجميع كان يقرأ الصحيفة، ويعترف بأهميتها التي كان هيغل أول من رآها. في التسعينيات انتهت الحرب، واستمر «عز» الصحف وبيعها، رغم صعود التلفزيون، كما يقول «أبو نعيم». وحتى أول الألفية، بالضبط حتى اغتيال الحريري، حافظت الصحف على دورها. ثم تغيّر كل شيء. يسأل البائع نفسه ويسألنا معه: هل هو الانترنت؟ التلفونات؟ أم أن البلاد تراجعت. وبلا شك جميع هذه العوامل تلعب دوراً حاسماً في تراجع الإقبال على شراء الصحيفة، من دون أن يعني ذلك تراجع أهمية «الكيوسك» نفسه. «أبو نعيم»، و«أبو جميل»، ورفاقهم هم «مخاتير» الحمرا الفعليون، إن تبقى أي معنى لكلمة «مختار» كما نفهمها. يعرفون الشارع ويعرفون خباياه. يحرسونه، ولو برموشهم، من الشق الأعمى في صيحات الحداثة.