الرباط | لا أحد يعرف ما الذي يدور في رأس نور الدين عيوش وهو يضاعف حماسه وتحيزه الدائم للهجة المغربية. عاد رجل الأعمال المعروف من جديد ليقترح معجماً هو الأول من نوعه في تاريخ المغرب: «معجم الدارجة المغربية» الذي صدر أخيراً في ألف صفحة، متناولاً بالشرح حوالى ثمانية آلاف كلمة.


لا يتعلق الأمر هنا بترجمة مفردات هذه اللهجة إلى لغة أخرى تخدم الجانب السياحي والعلمي مثلاً، بل إننا أمام معجم يشرح مفردات اللهجة المغربية باللهجة ذاتها، مما يجعل الكثير من الأسئلة تطرح نفسها من قبيل: ما السبب؟ وما الهدف؟ من الفئة المستفيدة؟ وما التصور البيداغوجي والمعرفي الذي يحمله صاحب الفكرة؟
عقب خروج فرنسا من المغرب، شرعت الدولة في الحدّ من هيمنة الحضور الطاغي للغة المستعمر في المدارس الوطنية، معتمدة سياسة التعريب التي رأى فيها بعضهم رجوعاً إلى الهوية المغربية السليمة، فيما رأى فيها آخرون أحد أسباب تراجع مستوى التعليم في البلاد. مع تعاقب العقود، خفُت السجال حول الصراع بين الفرنسية والعربية في بلاد تراهن على الانفتاح على العالم من دون التفريط في أصالتها وتاريخها. لذلك، قامت الدولة أيضاً بردّ الاعتبار للغة الأمازيغية وجعلها لغة رسميةً عبر برمجتها ضمن مواد التعلم في المدارس الابتدائية. وخلال السنوات الأخيرة، عاد الحديث عن الخيار اللغوي في المغرب، لكن هذه المرة تحوّل الصراع الذي كان بين الفرنسية والعربية إلى صراع بين الفصحى والدارجة.


المفكر عبد الله العروي رفض
أي تنازل أو بديل من اللغة العربية

احتد النقاش فعلاً في الأوساط المعنية والإعلام ومواقع التواصل، إلى أن خرج المفكر عبد الله العروي (1933) من مقبعه ـ كما قال - وأطلّ في برنامج تلفزيوني عام 2013 حصد حينها نسبة مشاهدة تاريخية. كان البرنامج عبارة عن مناظرة بين رجل نافذ هو نور الدين عيوش رفع مذكرة إلى الملك يقترح فيها اعتماد الدارجة كوسيلة للتعليم، ورجل معرفة يقف في الضفة المقابلة رافضاً أي تنازل أو بديل من اللغة العربية.
بعد تلك المناظرة الشهيرة، بدا للناس أنّ الملف قد طوي نهائياً، خصوصاً حين لاذ عيوش بالصمت. لكنه عاد في الأيام الأخيرة ليصدر «قاموس الدارجة المغربية» عن «مركز تنمية الدارجة» الذي يرأسه، مستعيناً في إنجازه بلغويين مغاربة معظمهم متخصص في اللسانيات. تطلّب إصدار هذا القاموس أربع سنوات من العمل وفق عيوش، وستكون نسخته الإلكترونية متاحة قريباً لجميع القراء. ويعمل الرجل ــ حسب تصريحاته الأخيرة ــ على التقعيد للنحو الدارجي، وإعداد أنطولوجيات أدبية بالدراجة.
يبذل نور الدين عيوش ، عضو «المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي» في المغرب، كل جهد متاح كي يدافع كلما سنحت له الفرصة عن اعتماد الدارجة كلغة للتدريس في المغرب، مؤكداً في كل حين أنّ نعوم تشومسكي نفسه يشدد على أهمية اللغات الأم في تعليم التلاميذ. ويعلل سبب الهدر المدرسي الذي يكون ضحيته أكثر من ثلاثمئة ألف تلميذ كل سنة، بصعوبة لغات التدريس المعتمدة في المغرب: العربية والفرنسية على وجه الخصوص. لذلك، يؤكد أنّ اعتماد الدارجة في المدارس هو منهج سيساعد في تعلم الفصحى واللغات الأخرى.
معارضو عيوش يرون أنّه يسعى لتدمير اللغة العربية التي تشكل حسب الدستور مرتكزاً أساسياً في هوية البلاد، ويعمل على تحجيم قيمة المدرسة المغربية وتمييع فضاءات المعرفة. وقد جلب عليه قاموسه الجديد الكثير من الانتقاد على مواقع التواصل وفي الصحافة الوطنية، ووصل الأمر إلى حد التهكم من شرح المفردات الحميمة في الدارجة المغربية (ما يرتبط مثلاً بالمرحاض والمسميات الجنسية).
الصراع اللغوي غالباً ما يذكي ناره طرفان يقف كل واحد منهما على الجهة المقابلة للآخر في طريق سيار: العروبيون والفرنكوفونيون، أحدهم يتشبث بربط المغرب بمشرقه العربي عبر حرصه على إضفاء ما يشبه القداسة على اللغة العربية، وآخر يسعى لدفعه باتجاه أوروبا القريبة منه جغرافياً، عبر الانتصار للهجة على حساب الفصحى، في جنوح ضمني إلى الفرنسية، إضعافاً للغة الضاد وتعزيزاً للغة موليير.
وعليه، فإن الصراع في المغرب، على ما يبدو، لم يكن ولن يكون بين اللغة الفصحى والدارجة أو بين العربية والفرنسية، بقدر ما هو صراع مستمر بين أنصار كل تيّار لحسابات قد تكون في النهاية خارج اللغة.