القاهرة | مساء أمس، رحلت الفنانة الكبيرة كريمة مختار (1934 ــ 2017) بعد صراع مع المرض دام سنوات، قبل أن تتصاعد معاناتها في الأشهر الأخيرة.

هذه المرة الأنباء صحيحة، عكس المرات السابقة التي ترددت فيها أنباء عن وفاة «ماما نونا» آخرها بداية الشهر الماضي، حين ارتكب التلفزيون الرسمي المصري كارثة مهنية، بنشر خبر غير صحيح عن رحيل كريمة مختار. ولم يكتف عاملو التلفزيون بذلك، بل نشروا على الشاشة صورة للفنانة الراحلة مع عبارة «وداعاً كريمة مختار». وقتها، أعلن نجلها الإعلامي معتز الدمرداش عن غضبه من بث الأخبار الكاذبة، واصفاً هذه الشائعات بـ«السخافة».
اشتهرت كريمة مختار، أو عطيات محمد البدري، المولودة في القاهرة عام 1934، بأداء دور الأم منذ بدايتها الفنية. إذ أطلّت في خمسينيات القرن المنصرم من خلال البرنامج الإذاعي «بابا شارو»، الذي قدمه لسنوات الإذاعي الكبير محمد محمود شعبان، ليسهّل لها زوجها المخرج والممثل الراحل نور الدمرداش، عام 1967، المشاركة في فيلم «ثمن الحرية»، الذي قدمت فيه دور الأم ولم يتجاوز عمرها حينها 33 سنة.

التصق بها هذا الدور في ما تبقى لها من نشاط على الشاشة الفضية وفي الدراما التلفزيونية. بسبب النجاح الذي لاقته مع الفيلم، توالت عليها أدوار الأم، لتقدم أشهر أمهات السينما المصرية وأكثرهن طرافة وظرفاً في فيلمي «الحفيد» (1974) و«بالوالدين إحسانا» (1976)، ثم دور الأم الأشهر في الدراما «ماما نونا» خلال مسلسل «يتربى في عزو» (2007 ـــ إخراج مجدي أبو عميرة)، بمشاركة الممثل يحيى الفخراني. بذلك، انضمت إلى قائمة الممثلات اللواتي اشتهرن بتقديم هذه النوعية من الأدوار، مثل أمينة رزق وفردوس محمد وعزيزة حلمي.
لا يخفى على متابع أنّ الأمومة ليست فقط دوراً أدّته كريمة مختار على الشاشة، بل كانت أماً لأبناء أربعة، هم: هبة، وشريف، وأحمد ومعتز، والأخير يعمل في مجال الإعلام ويحظى بشهرة طاغية. وحرصت «ماما نونا» طوال الوقت على تأدية دور الأم في الحياة، بما يحقق مصالح أبنائها، مصرّحة في حوار تلفزيوني قديم: «لم أسمح لنفسي في أي يوم من الأيام بالتقصير بحقّ أولادي، وأخذت على عاتقي مسؤولية تربيتهم منذ كانوا صغاراً والاعتناء بكل صغيرة وكبيرة في حياتهم، بسبب انشغال والدهم في عمله كمخرج. كما رفضت الاستعانة بمربية لمساعدتي في الاعتناء بهم. حرصت منذ صغرهم على توثيق علاقتي بهم من دون التدخل في حياتهم الشخصية إلا إذا استدعت الضرورة ذلك، فأتدخل من باب النصيحة والإرشاد لا الإجبار».
تنتمي كريمة مختار في أصولها إلى عائلة صعيدية، ينتهي نسبها إلى مركز ساحل سليم في محافظة أسيوط (375 كيلومتراً جنوب القاهرة)، وهي شقيقة الإذاعية عواطف البدري. تخرجت في المعهد العالي للفنون المسرحية، ولم تكن عائلتها تسمح لها بالتمثيل، لكنها أقرت على مضض بفكرة الالتحاق بالبرنامج الإذاعي «بابا شارو»، لتتغير حياة كريمة مع زواجها من نور الدمرداش عام 1958، وتحقق مسيرة فنية طويلة، تحمل نحو 135 عملاً، بين أفلام ودراما تلفزيونية وعروض مسرحية، وتنال تكريمات وجوائز عدّة، أبرزها: تكريم المهرجان القومي للمسرح عام 2010، وجائزة أفضل ممثلة عن دورها في مسلسل «يتربى فى عزو» من «مهرجان القاهرة للإعلام العربي الثالث عشر» عام 2007.
في أدائها التمثيلي، تميزت الراحلة بمسحة من الهدوء والاتزان، تختزن انفعالها بالشخصية داخليّاً وتشحن به جملها اللغوية همساً وتعبيراً، ينعكسان في ملامحها ولغة جسدها انعكاساً هادئاً ووقوراً أيضاً، فلا هي بالممثلة المحايدة أمام الشخصية التي تجسدها، ولا هي بالمحمّلة للسياق الدرامي والنمط الإنساني الموضوع في حوزتها فوق ما يحتمل. توازن وهدوء بين ما تقتضيه اللحظة، وما يخدم بناءها العام للشخصية على امتداد العمل. وبالمنطق الهادئ والوقور المتزن نفسه في أدائها، لعبت دورها الأخير أمس، وترجّلت عن خشبة المسرح.