في مقطع من فيلم داميان شازيل «لا لا لاند»، تجلس البطلة ميا (إيما ستون) في حفلة صاخبة لفرقة موسيقية يعزف معها بطل الفيلم المجنون بالجاز سيباستيان (راين غوسلينغ). المكان يغصّ بالجمهور، والفرقة - بين عزف وغناء ورقص - تبدو شديدة الاستغراق في ما يظهر كأنه متعة خالصة.


لكن ميا تتطلع حول نفسها بحيرة، كأنها تتساءل: الجميع حولي في غاية الاستمتاع، أربما كان يجدر بي أن أستمتع أنا أيضاً؟
تلك اللحظة من الفيلم ربما أفضل تصوير لحال الأقليّة التي شاهدت هذا الفيلم الغنائي الأميركي، فلم تجد فيه ما يستحق الهالة التي بنيت حوله. العمل الشديد السذاجة، حاز سبع جوائز «غولدن غلوب» في سابقة تاريخية، وهو مرشح فوق العادة لتحقيق نتائج مماثلة في جوائز الأوسكار الأميركيّة والبافتا البريطانيّة. وخلال أسابيع قليلة من عرضه في دور السينما، حقّق أكثر من ١٠٠ مليون دولار في مبيعات شبابيك التذاكر، وقد منحته أغلب الصحف الكبرى خمس نجوم كاملة!
«لا لا لاند» كأنه فيلم بوليوودي في سينوغرافيا أميركية: شابان فقيران يقعان في الحبّ بعد مصادفات عبثيّة، يواجهان تحديات هائلة لتحقيق أحلامهما الذاتية. مناخ رقص وغناء في مواقف مفتعلة، شخصيات مسطحة في حواراتها وغاياتها، عواطف مفروضة لإكمال القصة، ثم نهاية تتضمن تحقق الأحلام في البلاد الجميلة السعيدة حيث تقلبات الأقدار مرتبطة بالحظ والمصادفات. الفرق الوحيد هنا أن التصوير ليس في بومباي، بل في لوس أنجلوس، المدينة التي تحتضن هوليوود ومسرحها الأساس. بالطبع معظمنا في ظل الرأسماليّة التي لا ترحم - مثل ملايين العمال الأميين الهنود - بحاجة إلى فيلم رومانسي بسيط، ينسينا هموم الواقع المرير ويجعلنا نحلق لبعض الوقت في أجواء الفرح والرقص والغناء والعواطف الملتهبة. حتى اسم الفيلم الذي يلمح للوس أنجلوس، هو أيضاً كناية (في الإنكليزيّة الدارجة) عن أرض الخيال، حيث يمكن أن تتحقق أحلام الحمقى والمغفلين!
تبدأ المبالغات في الفيلم من مشهد البداية، حيث ميا (نادلة مقهى في استوديوهات تصوير سينمائي تطمح لأن تكون ممثلة، لكنها تفشل في كل تجارب الأداء) تقود سيارتها التويوتا الشعبيّة الصغيرة في أزمة سير خانقة على طرقات لوس أنجلوس السريعة. بعد مشهد رقص غنائي شارك فيه عشرات السائقين بين وفوق السيارات (أيضاً)، تلتقي ميا بسيباستيان، الشاب الجميل المولع بموسيقى الجاز والحالم أبداً بإنشاء ناديه الخاص ليمارس فيه هوايته في العزف (المنفرد) للجاز الكلاسيكي الذي لم يعد يحظى بشعبيّة. ميا المشغولة بترداد دورها في تجربة أداء مقبلة، تسدّ الطريق أمام سيباستيان بسيارته المكشوفة القديمة، فتحدث مصادفة اللقاء الأول قبل أن تكر سبحة المصادفات اللاحقة لتجعل من وقوع البطلين في الغرام أمراً محتوماً.


ايما ستون أعطت لوناً وطعماً وإحساساً رومانسيّاً جميلاً

بقيّة الأحداث تصاعد درامي معتمد على الشكل (الجذاب بصرياً) دون المضمون، يلهينا بالزخارف والألوان لنقبل ضعف السرد، وضحالة الشخصيات لينتهي البطلان بعد مصادفات المدينة الساحرة وتقاطعات الأقدار غير المفهومة فيها، إلى تحقيق أحلامهما الشخصيّة المهنيّة إنما على حساب علاقتهما معاً.
مثلاً، فميا ـ البطلة الأهم في الفيلم ــ بالكاد تقول عدة كلمات في الحوارات، ولقاءاتها المشتركة مع سيباستيان بمثابة مونتاجات صامتة تستبدل الحديث بالتركيز على اللمسات الجسدية وحوارات الأيدي العاشقة، وهي لا تقنعنا لماذا تريد تحدي العالم والتحول إلى ممثلة رغم فشلها المتكرر سوى أنها تأثرت بعمة لها كانت ممثلة، لا نعرف أين أو كيف. هكذا، شاهدت بضعة أفلام، فتركت الجامعة لتطارد «حلمها». على النقيض، نرى سيباستيان الشغوف بالجاز الكلاسيكي ــ التي للمفارقة كانت موسيقى غلب عليها الأميركيون الأفريقيون السود ــ يثرثر دون انقطاع عن التجارب الثورية في الموسيقى، لكنه توقف عند جاز الخمسينيات من القرن الماضي، مهملاً عشرات التجارب الثوريّة الرائدة التي طورت هذا الفن وأخذته في اتجاهات جريئة في النصف الثاني من القرن ذاته.
في المقابل، فإن الأغنيات والرقصات والأزياء والألوان الزاهية كانت في غالبها مسليّة، تساعد في زيادة التوتر العاطفي للقصة. يبدو الفيلم في تصويره الخارجي كأنه احتفاء بالوجه الجميل للوس أنجلوس - المدينة الأميركيّة الرمز - وبأجوائها وألوانها وحتى زرقة سمائها. يبذل داميان جهداً ليبهرنا بها، لكن مع كل تقدم تكنولوجيا التصوير التي تمتلكها هوليوود، لم يصل إلى قوة الصورة أو الخيال كما في الأعمال الكلاسيكيّة التي صورت لوس أنجلوس (فيلم صوفيا كوبولا «في مكان ما» مثلاً).
إذن كيف يمكن أن نفسّر هذا النجاح الشعبي والإعلامي لـ «لا لا لاند»؟ ثلاثة عوامل أساسيّة: من الواضح أولاً أن مزاج الجمهور الأميركي الآن متشوق للأعمال الغنائيّة سواء في السينما أو المسرح بعد غياب عقود منذ كلاسيكيات الستينيات والخمسينيات، وهي التي حاول المخرج داميان استعادة أجوائها الساحرة من خلال إشارات متعددة هنا وهناك. النجاح غير العادي للمسرحيّة الغنائيّة «هاميلتون» كان تتويجاً لهذا الاتجاه الذي يحاول «لا لا لاند» الالتحاق به. ثانياً، الفيلم احتفاء بهوليوود ذاتها في ملعبها وبين جمهورها، ومن المعروف عادة أن الأفلام في هذه المساحة تحظى دوماً بتقريض الصحافيين والنقاد الذين يدورون في فلك المنظومة الهوليوودية. وأخيراً، رسالة الفيلم أننا هنا في لوس أنجلوس، الأميركا المصغرة، حيث اليد الخفيّة للمنظومة الرأسماليّة، تجعل أحلام الأفراد العنيدين ممكنة!
غير ذلك، وعلى صعيد الفيلم ذاته، فإن المخرج داميان مدين أساساً في نجاح فيلمه للممثلة المتألقة ايما ستون، التي بذلت جهداً خارقاً في ملء شخصيّة زخرفيّة فارغة من المضمون الحقيقي، وإعطائها لوناً وطعماً وإحساساً رومانسيّاً جميلاً، وأيضاً للكيمياء المبهرة التي نجحت ستون في نسجها أمامنا على الشاشة مع بطل الفيلم المجتهد راين غوسلينغ.
في النهاية، لا يريد أحدنا أن يفوته فيلم يتحدث عنه الجميع وإلا شعرنا بأننا نعيش في فقاعة معزولين عن الآخرين. لذلك ربما من الأفضل أن تقتنعوا بنصيحة العمة هوليوود، وتسارعوا بدفع بعض الدولارات لمشاهدة آخر أفلام بوليوود المسليّة في طبعة أميركيّة أنيقة! أهلا بكم إلى أرض «لا لا لاند».

*LA LA LAND: صالات «أمبير» (1269) ـــ «غراند سينما» (01/209109) ـ «فوكس» (01/285582)