بعد عرض يتيم في مهرجان «مسرح المدينة» احتفالاً بعامه العشرين، يعيد المخرج والكاتب اللبناني وأستاذ المسرح في الجامعتين اللبنانية واليسوعية ميشال جبر تقديم «كيفك يا ليلى» على خشبة «مسرح مونو». العمل مونودرامي من تمثيل نيكول معتوق، المغنية والممثلة اللبنانية الشابة التي شاركت في عدد من المسلسلات اللبنانية وبعض المسرحيات.


تبدو خشبة «مونو» للوهلة الأولى متألقة، عابقة بروح العرض الذي لم يبدأ بعد. تُسدل شاشة الفيديو حيث يلتئم وجه نايلة للمرة الأولى. امرأة متزوجة ولها ولدان. عدم الارتياح بادٍ على الوجه. إنها تجربة أداء مع مخرجٍ لا نرى وجهه، ولا ينفك يطرح أسئلة عامة واستفزازية على ليلى، تنخر في مفاصل مؤثرة من حياتها الشخصية.
«حبيتي؟»، «كرهتي؟»، «خنتي؟». من العموميات إلى الأحداث المؤثرة وتفاصيلها والدور الذي تحب أن تؤديه. يسألها أن تستفيد من الفضاء كما تريد.


نص حافل بمشاهد
وحكايا أخاذة وجريئة ترابطت بسياق نفسي تحليلي

يرى المُشاهد فضاء الخشبة على شاشة الفيديو في حالة ازدواج وتحضير لما سيلي. نايلة في حالة انصهار مع الشخصية التي تود أن تلعبها أي «نينا» في مسرحية «النورس» لتشيخوف، أو بالأحرى ليلى/ نينا شخصيتان تعشقان البحيرة، شغفتهما الخشبة، قُتلتا أكثر من مرة كالنورس، عاشتا تجربة الحمل والفقدان وفقد الذات والشغف بالمسرح وعدم الشعور بالحب. يطلب منها المخرج أن تمسك السيناريو وتقرأ، وإذ بها تقرأ العنوان «كيفك يا ليلى». تكمل قراءتها «خبريني كيف عشتي بجسمك حسب ما بتتذكري؟». هنا مكمن العمل بأكمله. يشكل هذا السؤال المحطة النهائية في الفيديو. تنتقل محاولة الإجابة على هذا السؤال على الخشبة، فيرى المشاهد ليلى منصهرة بشخصية نايلة التي تماهت في حالة شَبَه عامة مع نينا تشيخوف. تحاول ليلى في سياق العرض الإجابة على السؤال الجوهري: «كيف عشتي جسمك حسب ما بتتذكري». يغوص كاتب النص في منطق تحليلي نفسي يعيد ليلى إلى مرحلة الطفولة حيث تعاني من سمنة زائدة، مستعيناً بعقدة أوديبية الطالع. تتمظهر علاقة ليلى مع والدها الذي دفعها بسلوكياته إلى كره ما يمثله جسمها لها وصولاً إلى مرحلة المراهقة حيث معارك إثبات الذات. كلما كانت ليلى تثبت بمغامراتها الجنسية أنّ جسمها قادرٌ على الإثارة، كلما ابتعدت عنه أكثر. فعلت كل شيء: مارست الجنس مع النساء، دخلت الدير، أغرت «أنطونيوس أنا فهيم» أحد رهبان الدير وتفوقت في قدراتها الجنسية على أستاذها في علم النفس. تعاطت الحشيش ثم الهيرويين فالكوكايين، قامت بعملية تنحيف، أدمنت على دواء السعال... فعلت كل هذا لتستعيد بعضاً من حبها لذاتها وحب الآخرين لها: حب والدتها التي لم تنتبه أنها اغتصبت، حب والدها لها، اهتمام الآخرين بها ككيان منفصل عن كيان زوجها وعائلتها، اهتمامهم بشخصها وفكرها بعيداً عن جسدها... كلفها هذا البحث عن الاهتمام تدميراً آخر للذات يضاف إلى سجل الجروح الذي لا ينتهي.
حفل نص ميشال جبر بمشاهد وحكايا أخاذة وجريئة ترابطت بسياق نفسي تحليلي يغوص في مسببات ردات فعل ليلى وقراراتها ويسهب في شرحها. أتى ذلك أحياناً على حساب درامية العرض الذي وقع في الميلودراما أحياناً، كما لم ينج من فخ إضافة أحداث بدت مفتعلة في سياق المشهد لمجرد الانتقال إلى الفكرة التالية كحدث التلفون الثاني حيث تنصح ليلى امرأة أن ترسل أحدهم إلى مركز المعالجة. أسهم في تأرجح درامية العرض تثبيت شخصية ليلى في موقع الضحية طوال الوقت، مما حدّ من أبعاد النص وتلويناته، وأثّر على أداء نيكول معتوق الذي كان متقناً (لا سيما في مشهد الفيديو ومشهد أبو قاسم): هل كان من الممكن أن نرى ليلى أكثر استمتاعاً بانتقامها من الآخرين، ثم في لحظة تناقض ما، تشعر بالندم والأسف على الذات؟ هل كان لها أن تظهر جانبها المشاغب من دون أن تقع في سرد أفعال المشاغبة بحد ذاتها؟ هل كانت تستطيع أن تنزوي أحياناً بذاتها مع كل تناقضاتها وأوجاعها على الخشبة وتبتعد عن لعبة التوجه الدائم إلى الجمهور أو إلى المخرج؟ أثر هذا الانشغال الزائد بالجمهور على علاقة ليلى مع فضاء الخشبة والسينوغرافيا، فاقتصرت تحركاتها طوال العرض على بقع محددة من الخشبة: ماذا تشكل تلك الخزانة المفتوحة على العالم التي رآها المشاهد في فيديو العرض وتجسّدت على الخشبة؟
يبقى القول إنّ العرض حافظ على هامش مثير من البوح. عرف كيف يشدّ المشاهد في جلسة مصارحة تغوص في أعماق حياة امرأة جلّ ما أرادته أن يسألها أحدهم: «كيفك يا ليلى»؟

* «كيفك يا ليلى»: 20:30 كل خميس، وجمعة، وسبت وأحد حتى 5 شباط (فبراير) ــ مسرح «مونو» (الأشرفية) ـــ للاستعلام: 01/202422