ثمانية وعشرون حرفاً، ثمانية وعشرون لوحة، ثمانية وعشرون قصة، ثمانية وعشرون قصيدة، ثمانية وعشرون حكاية... هذا هو كتاب خيرات الزين «منام الماء» الصادر أخيراً عن «دار عالم الفكر».

كتابٌ خارج التصنيف المتعارف عليه. من أوّل حرف حتى آخر حرف، نكون عاجزين عن التصنيف في أي خانة من خانات الأجناس الأدبية والإبداعية التشكيلية.

انطلاقاً من العنوان، ففي قاموس «المحيط»، نجد أن مفردة «حرف» كمدخل تعني «الحياة والتدفق»، وتأتي هنا بمعنى «مسيل الماء». هل هذا الانزياح المعنويّ نحو المنام يربطنا بحلم الحياة وجريانها؟ أو ليست الأحلام هي رغباتنا، ووجهٌ آخر للحياة؟ أسئلة تجيب عنها خيرات في نصوصها، فلكل حرف حيّكت له حياته وأسراره ودلاله.
وإذا دخلنا في عمق النص، فقد قامت خيرات بوضع تصنيف دلالي انطلاقاً من رؤيتها التعبيرية للحرف، وأعطته معنى بذاته، ونمطاً دلالياً؛ أحياناً واقعياً كالاسم، والصوت، والشكل، وأحياناً إيحائياً كالنجم والطير، وأحياناً مجازياً كالزهرة والحجر والصفة، وعدديّاً كالرقم؛ كل هذا حسب الترتيب الأبجديّ «أبجد هوَّز حُطّي كلَمُن سَعْفَص قُرِشَت ثَخَدٌ ضَظَغ». لا يخلو كتاب الزين من المعرفة. الثقافة تصبح مفيدة عندما تتحول المعطيات الجامدة (الشكل بدون معناه) الى معلومات، وبالتالي أن تساعدنا هذه المعلومات في إنتاج معرفة إبداعية جديدة. إضافة إلى بعدها الأدبي - الثقافي، تزيد نصوص الكتاب من معرفتنا عن الحرف. نصوصٌ كأنها تأريخٌ للحروف، كأن نقرأ مثلاً: «يدخل الهاء على الأسماء فيصبح ضميرها» أو «واو الوضوح، إذا تجولت بين الحروف تحولت إلى ضمة»، أو «هي نون جمع المذكر السالم، لكنها تحب النساء وتحمل نون النسوة بأنوثة نبيلة». وتأتي أنسنة الحرف من التشبيهات التي وردت في النصوص المتتالية، ومن إعطاء هذه الأشكال أبعاداً إنسانيةً، إذ تقول في «الألف» مثلاً: «حرف كأنه أمير أدمن البحث عن أنثاه»، وكأنها توحي لنا أن الألف يشبه الرجل باستقامة أعضائه والانحناء يشبه الأنثى، وأسرار إغواءاتها ودلالها. و«الباء بشوش، ابتسامة برتقاليّة»، و«كلّ الحروف نقطتها فوقها أو تحتها، إلا الجيم نقطتها في قلبها».
في النصوص الكثير من رسائل الحب، فحروف خيرات أقمارٌ ملونة بألوان تشبه معاني الحروف في بعدها الواقعي.
كتابٌ لا يقرأ كما تقرأ الكتب. في أي صفحة، ستجد ما يأخذك إلى عالم آخر، عالم المعاني الهائجة في بحر المعاني وفي حديقة خيرات القمريّة. في كلّ صفحة فقرات عدة، لكلّ واحدة معناها. لهذا فإنّ قراءة الكتاب ليست خطيّة، بل انتقائية... تشبه عملية البستنة، التي تتناسب مع القراءة على الإنترنت وتويتر والفيسبوك. هو نصّ منسوج بخيوط المعاني المترابطة في الشكل حروفاً، وفي المعنى منسوج من روابط الحقول الدلاليّة للفقرات في كل نص.
وإذا كانت الأصوات حروفاً، ففي الحروف صدى يدخل ويخرج من الأشجان ليعبر عن مكنونات الفرد في كل تفاصيلها. حروف لا تخلو من إيماءات حسيّة باطنية تخرج وتدخل ذاتنا حتى «العظم» لتعكس أسرار نفوسنا وخباياها. الحرف عند الزين، يأتي من المعنى كالجسد من الروح، فالانجذاب إلى الحروف هو انجذابٌ إلى الجسد، الأول بما فيه من معنى، والثاني بما فيه من روح.
سيميائياً للحروف معانٍ عدة. وإذا كانت الحروف، حسب تاريخ الكتابة، قد أخذت شكلها مما تُصور، وتطورت لكي تصبح اعتباطية وتجريدية، حسب المدارس اللسانية، وعلم السيمياء، إلا أن خيرات أعادت للحروف معانيها الأصلية، كما زودتها بمعانٍ جديدةٍ. فالحرف لم يعد مجرّد علامة اعتباطية، بل تعددت أبعاده في النظام اللّغوي ليصبح شكلاً من أشكال التعبير الرمزي للعديد من التمثيلات والتصورات الذهنية التي يبنيها الفرد عند تطلعه إلى الحرف.
أما النمط الدلالي للنص، فيرتكز أحياناً إلى التناص من خلال استعارات استُؤصلت من سياقها الأصلي وزُرعت في سياق الكتاب النصي. كأن نقرأ مثلاً: «عندما أخذت الدُنيا عيني أبي العلاء المعري، صار الشِعر عينيه. أما عن عمر بن أبي ربيعة، فأي عين لا تتمنى أن تكون عينه»، أو «شهرزاد طهرت شهريار من الشر الكامن في شرايينه، فإن كان للشهوة ألف ليلة وليلة، فللشغف ألف شهر وشهر». تحتوي الكلمات التي تشكّل كل نص على الحرف الذي تتكلّم عنه خيرات. هذا التركيب الدلالي ليس بالسهل إذا ما أردنا إعطاء النص معنى، وفي التركيب لعبة من ألاعيب البحث عن المفردات التي تتناسب فيما بينها لتشكل بنية نصية شعرية متناسقة ذات دلالات مركّبة لا تخلو أبداً من رؤية للحياة، إذ نجد في النص الكثير من الرسائل الإيحائية، التي تعبر عن الثقافة والسياسة، والأخلاق والدين. ونتساءل عند قراءة النصوص، أهي سيرة ذاتية للحروف أم قصائد غزل لكل حرف؟ فلا يمكن إلّا لفنّانة كخيرات أن تقدم هكذا إنتاج. لا نتحدث عن الشكل، أو اللوحات الفنية، ولكن عن الحكايا المغزولة التي أعطت النصّ لوناً شعرياً. استطراداً، معظم رسائل النصوص إيجابيّة، كأن الكتاب كُتب بفرح من أجل الفرح. في النصوص أصوات عديدة تتكلم كنص «العين بالعين» حيث حوار بين العريشة والعنقود، ونص آخر تتحاور الرمانة مع الرغيف... وأصوات العصافير والأشجار، فخيرات تعبّر عن أفكارها بأصوات أُخرى، تجسّد في أصوات الطيور والأشجار والأزهار...
أما اللوحات الثماني والعشرون، فلها عدة أبعادٍ. البعد الفني من خلال الألوان ووضعية الحرف الذي له ارتباط ببعده الطباعي. فأغلب الأحرف رُسمت على فضاء اللوحة حسب شكلها. في الوسط (ب، ت، ن،...)، على اليمين (ل، و) على الشمال (م)، وصُمّمت الألوان نظراً إلى تشابهها باللون الذي تُعبّر عنه، وتسمح برؤية الحرف وبروزه، وتعطي للوحة بعداً بدون زخرفة. ألوان نقية، غلب عليها طابع الدفء، إبداعية مع وجود إيقاعات متجانسة مستوحاة من التراب. فقد جرى تسهيل شكل الحرف، لإعطاء الوظيفة حقها. جميع نقاط الحروف عند خيرات الزين بدرٌ، ومنحنيات الحرف هلال... والهلال كإشارة مزدوجة في النص، علامةٌ من علامات الترقيم تستخدم كأداة للاحتضان والضمّ؛ احتضان المعاني التي تُوضح ما سبق، كأيدٍ مفتوحة تستقبل الآخر في الأحضان بين هلالين. وقد أعطت خيرات في لوحاتها حركة دائرية كمبدأ للجمالية التي تحدّدها قوانين الانحناء بدون زوايا. وقد يعتبر هذا الإبداع كنهج معاصر لتصميم الحرف وشكله الكتابي- الفني ذات بعد تعليمي، نهج سخيّ ومرح في آن. لخيرات حساباتها القمرية في تعداد الحروف؛ كنا نتمنى لو أضافت حرفاً يشوبه الالتباس، اللام ألف (لا)، لنرى كيف ستصور خيرات تزاوج استقامة الألف مع انحناءة اللام لتجسيد التشكيل الهلالي المعمول عليه. كنا نعتقد أنّ خيرات فنّانة تشكيليّة فقط، ولكن تبيّن، أنّها أيضاً قاصّة وشاعرة وكاتبة نثر، وبعد...