مضت أقل من ستة أشهر على آخر زيارة فنية لعازف العود نصير شمّة إلى لبنان، عندما شارك في أمسية «يا مال شام» (حفلة مشتركة مع المغنية السورية لينا شماميان وعازف العود اللبناني شربل روحانا وآخرين) ضمن «مهرجانات بيت الدين» الصيف الفائت. قبل ذلك، أحيا الموسيقي العراقي أمسيات كثيرة هنا، على مدى السنوات الأخيرة وفي أطرٍ مختلفة، منذ أولى حفلاته الناجحة في «المركز الثقافي الروسي» في بيروت (عزف منفرد قبل نحو 15 عاماً).


مساء اليوم، يعود إلى العاصمة اللبنانية ليقدّم برنامجاً كاملاً من تأليفه، برفقة «الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق-عربية» بقيادة المايسترو أندريه الحاج، عازف العود في الأساس.
نصير شمّة المولود في العراق عام 1963 بات اليوم غنيّاً عن التعريف. هو الوريث الأبرز للمدرسة العراقية في العزف على آلته، بعد عقود من رفع آل بشير (جميل ومنير ثم نجل الأخير عمر) راية العود العراقي في الموسيقى العربية. إنها مدرسة تستحق وريثاً من طراز شمّة، إن كان في الجانب التقني أو الجانب الفني والتطويري الذي يمارسه ضيفنا بحذر شديد يقيه الوقوع في الاستهلاك بحجة الحداثة (حيث لعمر البشير شطحات).


سيقدم «العامرية» المستوحاة من المجزرة التي ارتكبها أميركيون بحق عراقيين عام 1991

نصير شمّة صاحب أنامل نظيفة في العزف وأيادٍ أنظف في الموقف السياسي (غير الملزَم به أصلاً بما أنّه يمتهن الموسيقى لا الكلمة)، أكان قبل الاحتلال الأميركي لبلده أو خلاله. موقفٌ مبنيّ على توجّهات من النوع الذي لا يمكن أن يخذله تحليل ضعيف أو حسابات خاطئة، ألا وهو الوطنية المنطقية وألف باء الإنسانية: جيش أجنبي على أرض ذات سيادة تعريفه في القاموس هو «احتلال» وممارسة الاستبداد على الناس الأبرياء يُسمّى «ظلماً». بهذه البساطة.
موسيقياً، أتقن نصير شمّة آلته حدّ البراعة الظاهرة للعيان بفعل تنفيذ الجمل البسيطة أو المركّبة بالسهولة ذاتها. لكن الريبرتوار المكتوب للعود (مقارنةً بآلات أخرى كالبيانو) محدود نسبياً. وبعضه لا يتعدى كونه تمريناً خالياً من الجمال، وبعضه الآخر لا يمكن تقديم جديد فيه إلا في الهامش الضيّق المتعلّق بحسن الأداء (كما في الموسيقى الكلاسيكية الغربية).
لذا، كان لا بدّ لشمّة من توظيف امتلاكه للعود في مجال أكثر صرامة من التقسيم والارتجال على المقامات الشرقية. أي، إغناء الريبرتوار المكتوب بمؤلفات من توقيعه. إنها أصعب مهمّة تعترض عازفي الآلات المعروفة بإطلالاتها الفردية (بشكل منفرد أو بالواجهة مع آلة أو أكثر أو مع أوركسترا)، وعلى رأسها، في الموسيقى الشرقية، العود، قبل الكمان والقانون والناي وغيرها. هنا، يمكن القول إن الموسيقي العراقي (المؤلف في هذه الحالة) استطاع أن يقدّم مساهمة قد تكون الأبرز عربياً منذ محاولات القصبجي العظيم والسنباطي (ونقصد في تأليف المقطوعات تحديداً، لا في تلحين الكلمة). أهم ميزة في التأليف الموسيقي عموماً هي البنية أو الهيكلية. كلّما ارتفع الشعور بحضور هذه الميزة، اشتدّت المقطوعة متانةً، لتأتي فتدعّمها بنسبٍ متفاوتة النغمات الجميلة وعفوية ارتباطها والشعور بحتمية تواليها. بخلاف ذلك، يصبح التأليف صفّ نوتات لا معنى له سوى صحّته على المستوى النظري (ربيع أبو خليل مثالاً). في الواقع، يمتلك نصير شمّة «شيئاً» على هذا الصعيد، لكن قوة التأليف عنده تتلاشى نسبياً في المقطوعات التي تدخل في تركيبتها الفرق (مجموعات صغيرة أو أوركسترا)، مقارنة ببعض تجاربه الممتازة في التأليف للعود المنفرِد (حتى تلك المبنية على البراعة أولاً، كتلك التي يعتمد فيها على العزف باليد اليسرى فقط، استناداً إلى التقنية التي طوّرها منذ التسعينيات بدوافع إنسانية تخصّ معوّقي الحرب من العازفين).
في أمسيته المرتقبة هذا المساء في «قصر الأونيسكو»، سيقدّم مؤسِّس «بيت العود العربي» (مصر/1999) مجموعة أعمال من تأليفه مثل «العامرية» الشهيرة (مستوحاة من المجزرة التي ارتكبها أميركيون بحق عراقيين في ملجأ العامرية العراقي عام 1991) و«من الذاكرة» و«على حافة الألم»، و«تحية فيلمون» و«طاب صباحك بغداد» (إعداد أندريه الحاج) و«غداً أجمل» (إعداد وليد بو سرحال) وغيرها. يبدو نصير شمّة عفويّاً في وضْع عناوين أعماله كما ترون، إذ يقع على نقيض أسلوب «الثلاثي جبران» في العَنوَنَة… تماماً كإحساسه!

* أمسية نصير شمّة برفقة «الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق- عربية» وقيادة المايسترو أندريه الحاج: 20:00 مساء اليوم ــ «قصر الأونيسكو» (بيروت). الدعوة عامة. للاستعلام: 01/746939