الرباط | أعاد نور الدين الصايل أخيراً طرح مشكل الانقراض الذي يهدد قاعات السينما في المغرب، خلال ندوة أقيمت قبل أيام في مقر «الجمعية المغربية لحقوق الإنسان» في الرباط. المدير السابق لـ «المركز السينمائي» ورئيس «مؤسسة مهرجان السينما الإفريقية»، توقف عند ظاهرة التراجع المهول في صالات العرض، محاولاً تفسيرها بميل المشاهد الحالي إلى الاستهلاك الفردي للمنتوج السينمائي، فيما يرى في المقابل أنّ مشاهدة السينما هي لحظة احتفالية ينبغي أن تتم بشكل جماعي، حيث النقاشات التي تسبق المشاهدة وتعقبها، وتدخل في إطار التكوين الفني للفرد وتنشئة الوعي الجمعي.


ونفى الصايل في الندوة ذاتها أن يكون لتراجع عدد قاعات العرض في المغرب صلة مباشرة بالثورة التي تعرفها الشاشة الصغيرة، عاقداً المقارنة مع فرنسا التي شهدت في الآونة الأخيرة تطوراً كبيراً في التقنيات الحديثة، وارتفاعاً في تنزيل الأفلام من مواقع الانترنت، لكنها ما زالت تسجّل إقبالاً جماهيرياً كبيراً على قاعات السينما. ورأى الصايل أن الحلّ الذي سيوقف إغلاق القاعات المتبقية ويشجع على فتح قاعات جديدة، هو إنعاش السوق الداخلي عبر وضع خطة وطنية محكمة يلتزم القطاع الخاص بمقتضياتها، لكن بضمانات من الدولة ومؤسساتها الرسمية.


تعتبر المملكة البلد الثاني
عربياً من حيث الإنتاج
السينمائي بعد مصر

في عام 2012، قررت الدولة أن تقدّم دعماً للصالات السينمائية عن طريق «المركز السينمائي» المغربي. وشمل هذا الدعم في الأساس عملية رقمنة القاعات وتحديثها. لكن هذا القرار لم يسهم في زيادة عدد قاعات العرض. عدد لم يعد يتناسب مع الأرقام التي يحققها المغرب، بشكل متزايد، عاماً تلو آخر في سوق السينما. ففي ندوة عقدت في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي في مناسبة اليوم الوطني للسينما، أبدى رئيس الغرفة المغربية لموزعي الأفلام خوفه من انقراض الموزعين، داعياً الحكومة إلى إيجاد حل لإعادة الجمهور إلى صالات السينما المهجورة.
الحكومة ــ في شخص وزير الإعلام ـ لم تقدّم بعد الحصيلة السينمائية لسنة 2016، بسبب الجمود الحكومي الذي يعرفه المغرب منذ ثلاثة أشهر ونصف، أي منذ انتخابات 7 تشرين الأول (أكتوبر)، إذ لم تتشكل الحكومة الجديدة بعد. لكن يمكننا الرجوع إلى حصيلة 2015، بهدف إجراء بعض المقارنات التي ستجعلنا نقف عند مفارقة كبيرة في الحقل السينمائي في المغرب. خلال سنة 2015، صوِّر 78 فيلماً أجنبياً في المغرب، برقم استثمار فاق 400 مليون درهم (40 مليون دولار)، وشارك 33 عملاً سينمائياً مغربياً في مهرجانات دولية ضمن المسابقات الرسمية، و37 خارجها، ووصل 12 فيلماً وطنياً إلى منصة التتويج. وفي العام ذاته، تم تنظيم 68 مهرجاناً سينمائياً حظي 54 منها بدعم الدولة، برقم يقترب من 30 مليون درهم (3 ملايين دولار). أما الدعم الموجه للإنتاج السينمائي، فقد بلغت قيمته 68 مليون درهم (6.8 مليون دولار).
غير أنّ هذه الأرقام الإيجابية التي تصفها الوزارة المعنية بـ «المشرفة جداً»، لا تناسب الوضعية المؤسفة للقاعات السينمائية في المغرب، فإيرادات الصالات في مختلف جهات البلاد لم تتجاوز 50 مليون درهم (5 ملايين دولار) خلال العام الماضي. أما عدد التذاكر الذي كان يفوق 40 مليون تذكرة سنوياً في عز الزمن السينمائي في المغرب، فقد انخفض بشكل مهول إلى أقل من مليون، بل إن الرقم لم يتجاوز 900.000 خلال العام المنصرم.
في حوار سابق له مع القناة المغربية الثانية، تساءل الناقد والمخرج عامر الشرقي عن فائدة إنتاج أفلام كثيرة، في حين أن البلاد لم تعد تتمتع بقاعات عرض تتلاءم وحجم هذا الإنتاج، مضيفاً: «لا نتوفر إلا على 39 شاشة للعرض. وإذا قارنا هذا الرقم بعدد شاشات العرض في طهران، التي تتوفر على 200 شاشة، فإنه يجب أن نخجل من أنفسنا».
هذا الخجل يمكن أن يتضاعف حين يعرف المتتبع أن المغرب هو البلد الثاني عربياً من حيث الإنتاج السينمائي بعد مصر، وأن مدينة ورزازات التي تحمل لقب «هوليوود إفريقيا» لا تحوي قاعة سينمائية واحدة. بعد إغلاق صالتي «الأطلس» و«الصحراء» قبل سنوات، لم تعد هناك شاشة كبيرة واحدة في المدينة الشهيرة بين أهل الفن السابع، علماً أنّها تضم أكبر استوديوهات طبيعية في العالم، وتعتبر الوجهة الأولى في العالم العربي لكبار المخرجين من أميركا وأوروبا.