بالحديث عن «ورقة بيضا» Nuts لهنري بارجيس، يحوم سؤال ملح: كيف وصل هذا الفيلم إلى قسم «ليالٍ عربيّة» غير التنافسي في «مهرجان دبي السينمائي الدولي»؟ سينمائيون عرب كثر أرسلوا أعمالاً أعلى جودةً، ولم يبتسم لهم حظّ القبول. للمهرجان العربي الأبرز حق الاختيار، ولمتابعي سويّة العناوين الأخرى حيرة الاستفسار والعتب.


ذلك أنّ المخرج الفرنسي ظنّ نفسه غاي ريتشي آخر (ذكر تارانتينو هنا ضرب من الخبل). اعتقد أنّ العالم السفلي في بيروت، يحتمل شطط عصابات بريطانيا الشارعية: حبكة متعدّدة الخيوط والأطراف. تشابك بمصادفات متتالية. حلّ عند هدف واحد، عبثي في الغالب. ثلاثية ريتشي الشهيرة Lock, Stock and Two Smoking Barrels (1998) ،Snatch (2000) ،RocknRolla (2008) درس في الستايل الإنكليزي من الجانر Gangster Film. تنويعات مثل Layer Cake (2004) لماثيو فون، وLucky Number Slevin (2006) لباول ماغويغان، وIn Bruges (2008) لمارتن ماكدونا ورود من البستان نفسه.
في «المعادل» اللبناني، تلقي بنا صديقتان (دارين حمزة وألكسندرا قهوجي) في خلّاط مستفز من الشخصيات والأحداث المرسومة كيفما اتفق. الأولى مدمنة بوكر.


أداء متمكّن لحسّان مراد وألكسندرا قهوجي
الثانية صائدة رجال. الضياع يبدأ داخل عصابة من غريبي الأطوار. زعيمها (غابريال يمين) يبحث عن غريم بخصية واحدة. يعتمد على ذراع أيمن هادئ الطباع (حسان مراد)، ومنفّذ للأعمال القذرة (إدمون حداد). طبعاً، لا بدّ من حياة عائلية تتناقض مع العمل، لأنّ الوصفة الجاهزة تتطلّب ذلك (سيناريو تانيا سكياس).
ضمن التركيبة الغرائبية، لن نعثر على شخصية واحدة ذات بناء سليم. لم يتعب أحد نفسه في صنع تاريخ أو منشأ في الخلفية، يمكن الاتكاء عليه. غرابة الأطوار كفيلة بتمرير كل وأيّ شيء. لا طائل من البحث أو الحديث عن مبرّرات درامية. نتلقى المستوى الأول من أيّ فكرة. حوارات مباشرة عامرة بالتلقين وإلقاء المعلومات، بغرض التخلّص من عبئها. بنية متهالكة، مفروشة على ستة فصول من الحذلقة والادّعاء والتذاكي. تصعيد يميل إلى العشوائية. تسطيح متقن. تسخيف وفجاجة تحت قناع الجرأة، وطرح المحظور والمسكوت عنه. لو انتهى الشريط بغزو فضائي، لما اختلفت الحال كثيراً. البذخ الإنتاجي لا يمكن أن ينقذ عملاً فارغاً. لم يحصل ذلك في تاريخ السينما، ليكون احتمالاً الآن. يبقى التنويه بالتمكّن التقني (تصوير باسكال ريادو، توليف هنري بارجيس وماريا زكا)، وأداء كل من حسّان مراد وألكسندرا قهوجي. اجتهادهما أنقذهما نوعاً ما من هول الكارثة. باختصار، هذا «فيلم» يعوزه فيلماً.

* «ورقة بيضا»: صالات «غراند سينما» (01/209109)، «أمبير» (1269)، «فوكس (01/285582)