«ومن رقى الموت؟ من قالت أصابعه سأسحر السحر حتى تبعث الرمم؟» أي سعيد عقل! أعلمتَ أنها سلوى؟ سلوى روضة شقير (1916 ـــ 2017) رحلت أمس، نعم. لكن سلوى رقت الموت، وتبقى... فناً! هي من قالت أصابعها: سأسحر السحر حتى تبعث الرمم! كل ما لمسته نفخت فيه الروح... لوناً، وماءً، نوراً، تراباً، معدناً، خشباً، رملاً، حجراً... كلها! بعدما لمستها، صارت حياة!


رحل العقل المبدع والقلب السامي عن مئة عام من الخلق. رحل العمود الفقري للفن التشكيلي العربي، وركن هام في الفن التشكيلي العالمي. رحلت جدة الفنون البصرية العربية، وعميدة الفن التشكيلي على امتداد مساحة الوطن العربي وأكثر. رحلت وأورثتنا أمانة «الفن الروضوي» أي الفن العملاق، الأصيل، المعطاء، اللا محدود بالكم والكيف والنوع.
إنه زمن رحيل الرواد العمالقة، خسر لبنان نبعاً غزيراً من الإبداع التشكيلي الشامل، وخسرت المنطقة العربية نهراً هادراً من الفكر الرياضي الصوفي الأصيل، وخسر بحر الفنون العالمي «موجة مدّ كبيرة» كما عرفت عن فنها يوماً الفنانة الطليعية الراحلة هيلين خال: «لعل هذا المبدأ المرشد للصوفية هو أفضل وصف للحقيقة الشاملة لفن سلوى: إلهام يتدفق في موجة مد كبيرة تنبع من محيط اللانهاية إلى شواطئ عالمنا المتناهي، وكل إلهام يجري وينحط لكل فرد يدخل نطاقه. ليست هناك سوى مياه واحدة، وموجة واحدة، لكن لا يوجد إلهامان شبيهان ظاهرياً. يرتكز فن سلوى إلى تغييرات تطرأ على مفهوم أساسي واحدٍ يمكن تشبيهه بموجة واحدة يتدفق منها عدد لا يحصى من الإلهامات، وكل إلهام فريد بذاته. وهناك في فنها خيط من الاستمرارية يربط جميع الأجزاء في وحدة كونية كاملة».
لكن مهلاً، تلك الموجة نبع. متى عطش محبّو الفن، عادوا اليه ليشربوا. فكيف يمكن إيجاز النبع؟ كيف يمكن إحصاء المطر الغزير من أعمال سلوى الفنية؟ كيف يمكن حد الللانهائي بالنهائي؟ ذلك هو الفن «الروضوي» المتصل بالكون منطلقاً وطريقاً ووصولاً. الكون الذي لم تنسلخ يوماً عنه من دون أن تلتصق به حد النسخ، بل ثارت على النسخوية متجهةً إلى التجريد الهندسي الصافي. «أحد الناقدين كان يقول إنّ في أعمالي تأثيراً أوروبياً، لا! هذا تأثير عالمي! وما أراه أنا، يراه كل إنسان في العالم!» قالتها سلوى في إحدى المقابلات المصوّرة، مؤكدة على اتصالها بكل الكون، وتأثير «الكل» على نتاجها الفني المبدع من دون فصل ولا تمييز.


في فنها خيط من
الاستمرارية يربط جميع الأجزاء
في وحدة كونية كاملة
لكن ابنة بيروت التي ولدت عام 1916 وتتلمذت على يد توفيق فروخ وعمر الأنسي، ثم لاحقاً في المدرسة الوطنية العليا للفنون في باريس عام 1948، حدّدت التأثيرات المباشرة على تشكيلها، هي التي قالت «كل القواعد التي أخذتها أنا، كلها نابعة من الدين الاسلامي، ومن النسب (الهندسية) الاسلامية. برمت في شوارع القاهرة، والجوامع كلها، ووجدت نظرتي التي أريد، في تلك الأيام. لكن لم يكن وارداً لدى أحد أن أعود لأستعمل الهندسيات، ولم يكن وارداً عندي، لكنني كنت سعيدة جداً!» هكذا قالت في مقابلة مصورة، أورد جزءًاً منها متحف الـ «تايت» اللندني الذي استضاف أعمال سلوى روضة شقير عام 2013 ضمن معرض فريد، بعدما شحنت منحوتاتها من بيروت إلى بريطانيا للمناسبة. كما كرّمها «متحف سرسق» قبل اشهر في مناسبة مئويتها بمعرض خاص جمع روضة من رياض لغتها الفنية التشكيلية.
لغة سلوى روضة شقير بصرية رياضية هندسية صوفية، تلك التي تسحر الرائي وتنقله من مشاهد إلى متفاعل حتى قبل أن يدخل تاريخ الفن الحديث إلى المعاصرة والمفهومية. عندما بدأت ثورة الفن الحديث في الخمسينات، لم تستسلم سلوى لإغراء الموجود، بل بحثت إلى أن وجدت أو أوجدت (لا فرق) مفتاح حصون الفنون الاسلامية والتجريد في الفن الاسلامي. فتحت باب علم المنظور على مصراعيه في ما يشبه مقاربة خالق علم المنظور الحسن بن الحسن بن الهيثم. طوّعت العلوم الرياضية لصالح العين والهندسة لصالح الرؤية، والكل لصالح الفن. نحتت الخشب، فأثمر. نحتت الحجر، فكانت أصلب منه وطاع وتحرك حتى رقص. نحتت بالماء هندسياً! نعم، لقد أنجزت تصاميم هندسية لأنابيب متشعبة بحيث عندما يدخل فيها الماء، يرسم أشكالاً هندسية ررياضية كتلك التي أصبحت إمضاءها. رسمت، لوّنت، نسجت السجاجيد، صاغت مجوهرات، طبعت، حفرت. ركبت تجهيزات قبل أن يتصدر عالم التجهيزات الفنية أخبار الفن المعاصر. شغل عقلها الفضاء، فأرادت أن تصنع منحوتات حرة أو متحررة من الجاذبية. بدأت بربط الأطر وتوزيع الحلقات وخلق توازن بينها، ونجحت. هكذا، كونت منحوتات من خيطان مشدودة خارج إطار الجاذبية والثقل عبر جذب الخيطان المشدودة كما أرادتها هي. وكانت من اسعد الناس عندما أخبرها أحد المتخصصين أنّها عبر إحدى هذه المنحوتات، انما طبّقت مبدأ الـ static dynamism! طبّقت نظرية جديدة في الفيزياء من دون أن تعرف بها أصلاً! ثم إنّ سلوى روضة شقير أول من استخدم الضوء في تاريخ التشكيل اللبناني، كفعل نحتي صرف! أول من حرك منحوتاته، فكان بعضها قابلاً للدوران أو الاهتزاز، هذا غير التفكيك والتركيب، فمعظمها ألعاب هندسية خارقة التعقيد والجاذبية، حيث كل قطعة منحوتة. الأمر مشابه تماماً للقصيدة حيث لكل كلمة هويتها وفعلها واثرها، لكن الكلّ يشكل نظماً. وعند سلوى هو نظم بالاشكال والاشياء والكل. هو بالمختصر، تكوين. كل ذلك ليس فقط كرمى للفن أو لشغفها بل أيضاً لاستخدام الفن كوسيلة للتطوير والافادة. هي من أول من أدخل منحوتاته إلى الاماكن العامة في العالم العربي، وكثيرة هي الأماكن التي قد تجد فيها مقعداً حجرياً هنا أو تمثالاً لشخصين متعانقين هناك أو تمثال رجل جالس حيث جزء أساسي منه هو مقعد لراحتك! ذلك المقعد إن جلست عليه لترتاح، تذكّر سلوى روضة شقير التي حازت جوائز كثيرة محلية وعالمية، فقد كانت تفكر بك. وهذا دأب الفنان الحقيقي. وهنا جذور الفن. والفنانون نادرون. الخسارة كبيرة والارث عظيم.

* يصلى على جثمانها الساعة الثانية عشر من يوم الأحد 29 كانون الثاني في قاعة مجلس تربة الدروز (فردان)، وتقبل التعازي يوم الاثنين 30 كانون الثاني من الحادية عشر صباحاً حتى الخامسة مساء في دار طائفة الموحدين الدروز (فردان)، ويوم الاحد 5 شباط من الحادية عشر صباحاً حتى الساعة الثانية من بعد الظهر في القاعة العامة، أرصون

http://www.srchoucair.com/srchoucair.html

http://www.tate.org.uk/whats-on/tate-modern/exhibition/saloua-raouda-choucair