توفيت الأستاذة الكبيرة سلوى روضة شقير عن عمر ناهز المئة عام. بوفاتها، يفتقد لبنان ودنيا العرب والفن الانساني بأحد أرقى أشكاله وإبداعاته، هذه الفنانة الكبيرة التي لن نفيها ولو بعض ما تستحقه. إنّها الرائدة المجددة في الفنّ، سباقة عصرها، والفريدة بإبداعها في المجالات التي طرقتها والمسارات المتنوعة التي ملأتها جمالاً وجلالاً. كتبت بإزميلها قصائد التشكيل والنحت غير المسبوق في نوعه ومستواه.


لقد استوعبت الستّ سلوى ما تختزنه الحضارة العربية من فن وخط وشعر وتصوّف وعمران، فكان هو مصدر الهامها في معظم أعمالها، لتصبح السباقة والمتجلّية في عصرها.
يكتشف الناظر إلى أعمال هذه النحاتة الكبيرة، انجذابه من خارج العمل إلى داخله، إذ كانت تحرص على أن يكون لعملها جوهر وحقيقة لمن يكتشفه. فن سلوى روضة شقير يختزن لبنان والعروبة والجوهر الانساني الذي كانت تحرص عليه. لقد طغت شهرتها كنحاتة على باقي أعمالها الفنية. فالنحت في الازميل وتطويع الحجر الصلد لاستخراج أسراره وتحويله إلى سرديات وحكايات وقصائد، أمر طغى على ما عداه. هي لم تترك مادة إلا وطوّعتها، واشتغلت عليها إلى درجة أنّها في أواخر أعمالها، اشتغلت على تباين ألوان الحجر، وعلى التداخل والتلاحم والتلاقح. وتتميز عظمة أعمالها بجماليتها، بحجم صغير، كما أنّها تحافظ على تلك الجمالية حين تتخذ حجماً أكبر، مما يدلّ على مدى إبداع هذه الانسانة الرائعة. فمثلما تكبر الشجيرة الصغيرة، محافظةً على جوهرها، كذلك حال منحوتات الستّ سلوى عندما يصار إلى تكبيرها.
الجدير ذكره هنا للدلالة على مدى عظمة هذه الفنانة، أنّ أحد النقّاد والمتذوّقين وضع اذنه على منحوتة لها في أحد المعارض، وصاح بالجمهور قائلاً: «تعالوا واستمعوا إلى الموسيقى والشعر اللذين تحملهما أعمال هذه الفنانة القديرة». لقد حافظت سلوى روضة شقير على أعمالها التي لم تفارقها بل كانت ضنينة بها. فهل لأنّها أعمال سابقة لعصرها ومتروكة لأجيال صاعدة وواعدة؟ أم لأنها استمرت على مدى حياتها في تأمّل ما أبدعته، وهو وفير وكثير، وكانت تعلم قيمته فحافظت عليه؟ رحم الله عميدة النحت اللبناني والعربي.
* صاحب غاليري «صالح بركات» و«أجيال»