لم تكن الحياة سهلةً ضمن الأحياء الإيطاليّة في نيويورك الثلاثينيات والأربعينيات. شوارع «كوينز» وسواها اتسمت بالقسوة والعمل الشاق، لصنع حياة في «العالم الجديد» على المهاجرين. مارتن سكورسيزي (1942) كان مدلّل أبويه المنحدرين من صقلية وباليرمو، والمخلصين للكنيسة الكاثوليكية. أراد مهرباً من عسف الأزقة وضجيج المحيط.


وجد الراحة في مدرسة «سانت باتريك» للكاثوليك. ذلك أنّه قرّر أن يصبح مبشّراً عند الكبر، مأخوذاً بقيم الشجاعة والاختبار ومساعدة الغير. في عمر الـ 11، تعرّف «مارتي» إلى الأب الكاريزماتي فرانسيس. شاب عشريني جمع بين أصالة الديار وحداثة «أرض الأحلام». شجّع الصغير على السينما والأدب والموسيقى. «ليس عليك أن تعيش هكذا» قال له بثقة. بالفعل، تبدّل المسار تماماً. درس السينما، وأبهر الكوكب، من دون التخلّي عن فهمه للدين كحاضر في الحياة اليوميّة.
«شوارع دنيئة» (1973) و«سائق التاكسي» (1976) و«الثور الهائج» (1980) وسواها تحمل بعداً أخلاقياً جلياً، من خلال النقد والاستياء الأخلاقي ممّا وصلت إليه أميركا.


رحلة وجودية، ساحرة
بعناصر الطبيعة والملابس والديكور والعنف المطبق
على مستوى آخر، أنجز فيلمين «دينيين» مباشرين، هما: «الإغواء الأخير للمسيح» (1988) عن رواية نيكوس كازانتزاكيس، وKundun (1997). إثر عرض الأوّل، جاءه المطران باول مور معجباً بما رأى. أرسل له رواية «صمت» لياباني يُدعى شوساكو إندو (1923 – 1996)، مؤكّداً أنّها أعمق في ما يخصّ ثبات الإيمان عند المحك. مضى عام، وبالكاد انتهى سكورسيزي من تصوير «أصدقاء جيّدون» (1990)، للحاق بجدول الاستوديو، وفيلم أكيرا كوروساوا «أحلام» (1990)، الذي مثّل فيه دور فان غوخ. في القطار بين طوكيو وكيوتو، قرأ صفحات إندو، التي ضربته بعنف. قرّر تحويلها إلى فيلم روائي في أقرب وقت.
التأثير متبادل بين الرواية (صدرت عام 1966) والسينما منذ البداية. شوساكو أقرّ أنّه اقتبس من «الطريق» (1954) لفيلليني أثناء الكتابة.
ثمّة اقتباس ياباني لماساهيرو شينودا، الذي صنع فيلماً جميلاً عام 1971، بمشاركة إندو ذاته في السيناريو. سكورسيزي عمل مع جاي كوكس على اقتباسه، في أوّل نتاج نصّي له منذ «كازينو» (1995). خلال التطوير، تمّ إسناد البطولة إلى كل من دانيال داي لويس وغايل غارسيا برنال وبينيسبو ديل تورو. مع صعوبة جلب التمويل (نعم، حتى ساحر مثله قد يصطدم بعثرات كهذه)، ظلّ المشروع معلّقاً لربع قرن. اختلفت الأسماء، وتعدّدت المواعيد، وبقي «مارتي» على شغفه، إلى أن أبصر «صمت» النور على الشاشة الكبيرة. نحن في عام 1639. الكاهنان البرتغاليان رودريغز (أندرو غارفيلد) وفرانسيسكو (آدم درايفر)، في مهمّة لمعرفة مصير معلّمهما فيريرا (ليام نيسون)، الذي يُقال إنّه ارتدّ عن دينه في اليابان، راضخاً للتنكيل والقمع. يسافران إلى ماكاو، ومنها إلى «بلاد الشمس المشرقة»، التي تحرّم المسيحية، وتعاقب معتنقيها. تبدأ رحلة وجودية، ساحرة بعناصر الطبيعة والملابس والديكور والعنف المطبق. أرادها سكورسيزي ملحمية عن عمق الإيمان، وثباته أمام العواصف والأهوال، من الداخل إلى الخارج، وليس العكس. عجن من الرواية مكمناً للشك والالتباس في نفس رودريغز، الذي يقود الشريط بعد الانفصال عن شريكه. أين الرب من كل هذا العسف؟ تُسلَق الأجساد. تُدفَن الأبدان. تُفصَل الرؤوس. الإله صامت. لمَ لا يجيب على الصلوات المتلاحقة؟ ليس لهؤلاء المعدمين سوى وعود الحال الأفضل في الجنّة. تراهم يرحّبون بالتضحية، بل يطلبها بعضهم بتوق. مقاربة من منظور آخر لمفهوم الدين في الحياة اليوميّة. «صمت» مبهر بصرياً، متعثّر درامياً. مارتن سينيفيليّ كبير. انطلق من لقائه الأوّل مع السينما اليابانيّة، من خلال «أوغيتسو» (1953) لميزوغوتشي، ثمّ صديقه كوروساوا. تأقلم مع مواقع التصوير في تايوان، التي ساعد آنغ لي في اختيارها، فوصل إلى صيغته الخاصّة. ترك الطبيعة تقول الكثير، من خلال لقطات عامّة كثيرة. أبرز ألوان العشب، وتموضع الجبال، وشكل الصخور، والشواطئ، والكهوف، والضباب. باختصار، فعّل الصمت بطلاً. لنتأمّل منسوب الكاميرا: منخفض مع عادات الجلوس على الأرض في الثقافة الشعبية، ومرتفع مع عين الرب التي تراقب من الأعلى. إنّها وجهة نظر قلب رودريغز الباقي على الإيمان. شراكة السينماتوغرافيا تكرّرت مع رودريغز برييتو، في ثالث تعاون. مكسيكي آخر من سحرة الصورة. في سجلّه، عناوين كبيرة مع كل من إيناريتو، وأوليفر ستون، وبيدرو ألمودوفار، وبين آفليك، وسبايك لي، وتومي لي جونز، وكورتيز هانسن، وكيفين ماكدونالد، ومورتن تيلدوم، وجولي تايمور. يحمل ترشيح الأوسكار الوحيد للفيلم عن التصوير، في ثاني مرّة بعد «جبل بروكباك» (2005) لآنغ لي. كذلك، أنجز روائياً قصيراً بعنوان Likeness (2013، 9 د.)، مع إيل فانينغ أمام الكاميرا.
في المقابل، يغرق الشريط في الطول غير المبرّر (161 د.). مادته لا تحتمل أكثر من ساعتين. المفارقة أنّ كل هذا الوقت، لم يكن كافياً لإخراج البطل من أحاديته، أو دفنه لمسافة درامية أكثر عمقاً. هو يتنقل ويتفاعل فقط، من دون فعل أو تلوّن. فرانسيسكو لم يظهر كثيراً، لكنّه صار بطلاً تراجيدياً، ذا تقلّبات منسجمة مع نهايته. يبدو أنّ الالتباس انسحب على الفيلم نفسه. الاكتفاء بهواجس بطل باهت، لم تنتشل البنية المنبسطة أكثر من اللازم. ماذا عن أحادية وتنميط اليابانيين، ضمن إطار من الساديّة والعنف؟ أين وجهة نظرهم وطرحهم الفكري؟ لا يكفي القول في مشهد واحد إنّ تربة البلاد مستنقع لا ينبت الجذور. لا بدّ من أنّ لديهم ما يقولونه في هذا الشأن.
مارتي يحضّر لهدية عام 2018: «الإيرلندي» مع «بوبي» دي نيرو، وآل باتشينو (لأوّل مرّة)، وجو بيسكي، وهارفي كايتل. يلقي سؤالاً فلسفياً من وحي صمته: «هل نمتلك هذا الإيمان الراسخ في أميركا اليوم؟ ما أعرفه أنّ الدين الجديد هو التكنولوجيا، ولكن إذا تمّ نزع القابس، لا بدّ من أن يبقى شيء ما». هل نمتلك هذا الإيمان في أميركا؟ دين أميركا اليوم هو التكنولوجيا، ولكن إذا تمّ نزع القابس، لا بدّ من أن يبقى شيء.

* «صمت» لمارتن سكورسيزي: بدءاً من يوم الخميس في الصالات