ضربت الرقابة «السماوية» أمس عملاً سينمائياً جديداً! بقعة سوداء ظهرت في لقطتين من «اسمعي»، أحدث أفلام فيليب عرقتنجي. خلال العرض الخاص الأول للعمل في «سينما سيتي» (أسواق بيروت) أمس، رحّب السينمائي اللبناني بالحضور، طالباً منه عدم التوقف عند هذا التفصيل و«العض على الجرح». لكن البقعة السوداء ظهرت مرّتين في الفيلم، لتستر مشهد ظهور ممثّل يجسّد شيخاً من طائفة الموحدين الدروز.


عند استفسارنا عن الموضوع، علّق عرقتنجي بأنّ هذا الحلّ الذي يعتبره «مسالماً، ومنفتحاً، ووفيّاً لرسالة الفيلم»، جاء بعد سلسلة اتصالات ولقاءات مع مسؤولين في الطائفة، أبدوا انزعاجهم من ظهور الشيخ في العمل.
وكان مكتب الرقابة في المديرية العامة للأمن العام قد وافق على عرض «اسمعي» من دون حذف أي لقطة، مكتفياً بذكر عبارة «لمن فوق الـ 18 سنة»، وبدأ الإعلان الترويجي بالظهور على الشاشات وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، ما لفت أنظار الكلّ. هنا، تلقّى عرقتنجي اتصالاً من الأمن العام يطلب فيه مشاهدة الفيلم مرة جديدة. ثم حضر الى مكتبه عنصر من الأمن العام بصحبة ممثّل عن طائفة الموحدين الدروز. وفي اليوم التالي، تلقّى عرقتنجي في عزّ زحمة التحضير لإطلاق فيلمه، اتصالاً جديداً من الأمن العام، طلباً للاجتماع به مرة أخرى. أجواء الاجتماع نجم عنها أنّ «الجماعة مش راضيين» عن الفيلم بسبب لقطتين تظهران لباس الشيخ التقليدي. حاول عرقتنجي الحصول من الأمن العام على تصوّر لما قد تكون عليه النتيجة في حال الإصرار على عدم المسّ بالفيلم. لم يفصح المجتمعون إلا عن نصائح له بالتجاوب.
عندها، اتصل عرقتنجي بشيخ عقل الطائفة الشيخ نعيم حسن، وطلب الاجتماع به، ورحّب الأخير، مُصارحاً فيليب على الهاتف بأنّ هناك انزعاجاً ما. خلال الاجتماع، قال عرقتنجي للشيخ حسن إنّ من حقّه الكلام عن قصّة حب بين شاب من الطائفة وفتاة من خارجها، فأجابه شيخ العقل: «أنا مع حريتك الكاملة كفنان أن تروي ما تريده». لكن المشكلة تكمن عند بعض الأقلية المتزمتة المُعترضة بحسب المجتمعين. والكلّ يتذكّر عام 2010، حين اعتصم مشايخ ومواطنون من طائفة الموحدين، اعتراضاً على قرار قناة «الجديد» بثّ فيلم «طيارة من ورق» للراحلة رندا الشهال. يومها، ألغت القناة عرضه، فيما شكر النائبان وليد جنبلاط وطلال أرسلان المحطة واعترضا على طريقة الاعتراض، وقضي الأمر!
ما الحلّ إذاً؟ خرج عرقتنجي بحلّ البقعة السوداء التي تغطي صورة الشيخ في اللقطتين، وتفصل بينهما أكثر من 20 دقيقة. البقعة السوداء حلّ مسالم ومعقول بالنسبة إلى عرقتنجي. إذ يعتبر أنّه أنقذ الفيلم من منع عرضه، وأنقذ فريق العمل، وعائلته الجديدة ــ كما يصفها ــ من أي ارتدادات سلبية للقضية. ورأى مخرج «ميراث» أنه لجأ الى حلّ سلمي لأنّه «لا يريد إثارة مشاكل مع أي طرف».
طبعاً، ليست الرقابة التي تمارس تحت غطاء الخصوصية حكراً على طائفة محددة، فكل المرجعيات الروحية والدينية في لبنان لا تعتق عملاً من دون أن تصبّ عليه ملاحظاتها. ملاحظات تبدأ بتمنيّات لإجراء تعديلات تناسبها وتناسب توجهاتها، وطلبات قد لا تخلو أحياناً من تهويل مبطّن بعظائم الأمور، إن لم يقتنع الفنان بتوصيات الطائفة. وكلنا صار على علم بالمصير المعلّق لفيلم «مولانا» الموقوف حالياً لدى دار الفتوى، أو الاعتراض الكنسي السابق على فيلم «تنورة مكسي» (الأخبار 14/5/2012)، إلى جانب منع فيلمَي: ديغول عيد «شو صار» ورين متري «لي قبور في هذه الأرض»، بعد إبداء جهاز الأمن العام حرصه على «السلم الأهلي»!
الخطير في الموضوع ليس منع انتقاد طائفة بسبب فكرها أو تصرفها، بل منع تناولها في أي موضوع بلا موافقتها، فماذا يبقى للكلام عنه في بلد الـ 18 طائفة؟ ما الذي سيمنع الفنانين الشباب من الهجرة والتخلّي عن أمل بالتغيير؟ وأيّ وعي اجتماعي سيسهم الفنّ في صنعه؟

* «اسمعي» لفيليب عرقتنجي: في الصالات بدءاً من 9 شباط (فبراير)