ديترويت | صيف عام 1965، الصبيّة السمراء المصقولة الجسد تتمايل على نغمة صاخبة قبل أن يعلن الصوت في المذياع: ستوب، إعادة. إنها دايانا روس أسطورة الغناء الأميركي (ولدت في 26 آذار 1944)، ومن طلب منها التوقف هو بيري غوردي جونيور (ولد في 22 تشرين الثاني 1929) أما المكان فما هو إلا المدينة التي تختزل تاريخ الصراع والتعايش العنصري الشائك في أميركا: ديترويت.


في بار على مفرق

«أهلاً بكم في استديو الـ Motown. هنا انطلقت مغامرات أهم المطربين الأفارقة الأميركيين، مثل فرق «ذا سوبريمز» (ضمت ديانا روس)، «ذا فور توبس»، «جاكسون فايف» (ضمت مايكل جاكسون)، ستيفي واندر، مارفن غي، «ذا مارفيليت»، «ذا ميراكلز»، «ذا تامبتايشن» إلخ... لقد كنا على بيّنة بأننا لا نصنع فقط الموسيقى بل نصنع التاريخ أيضاً». هذا ما تقوله الدليلة البشوشة ذات الصوت القوي العذب التي ترتدي زياً ملوّناً يعود إلى الستينيات.


هنا في ديترويت،
انطلقت مغامرات أهم
المطربين الأفارقة الأميركيين

من الخارج يبدو الإستديو عادياً. بيت يشبه بيوت القرميد الأخرى التي تعود إلى بداية القرن العشرين المبنية على «الغراند بولفار». لكن هذا البيت الذي اشتراه غوردي سنة 1958 ليس عادياً بالمرة. فضلاً عن كونه أول استديو تسجيل يملكه أفريقي أميركي وأعلى دخل لمصلحة لمدة طويلة، فقد كان شاهداً على تاريخ هذه المدينة الجدلي. في حين كان غوردي منهمكاً بإطلاق فرقة تلو الأخرى في مجالات الموسيقى التي عرفت فيما بعد باسم «موتاون ساوند» وهي عبارة عن موسيقى السول Soul music المتأثرة بالبوب، كانت المدينة تغلي على خلفية حركة الحقوق المدنية واختلال ميزان التوازن الاقتصادي لمصلحة البيض. أمر أدّى إلى اندلاع أحداث عام 1967 المعروفة بالعصيان المدني الأعنف في التاريخ الأميركي، وبالثورة الكبرى بحسب الأفارقة الأميركيين. هذه الأحداث اندلعت صباح يوم الأحد 23 تموز (يوليو)، إثر هجوم شرطي أبيض على بار غير مرخص له عند مفرق الشارع الثاني عشر (المعروف اليوم بشارع روزا باركس) ما أدى إلى مواجهات دامية استمرت خمسة أيام، تدخّل فيها الحرس الوطني والقوة الجوية، وأسفرت عن مقتل 43 شخصاً، وجرح 1189 وتوقيف أكثر من 7200 من سكان المدينة، فضلاً عن تدمير ما يزيد عن ألفي مبنى.

الصوت الذي غيّر القرن العشرين

«لا شركة تسجيل أخرى في العالم كله، كان لها هذا التأثير الهائل على أسلوب ومحتوى الموسيقى والثقافة الشعبية» تضيف الدليلة، مستندةً إلى أكثر من 180 أغنية احتلت وما زالت تحتلّ المراكز الأولى عالمياً منذ التأسيس وحتى اليوم، إضافةً إلى التأثير الكبير الذي كان للموتاون على موسيقى الهيب هوب والبوب. أما عن انطلاق المغامرة، فقد كانت عندما استدان الشاب غوردي مبلغ 800 دولار من أهله ليباشر عمله، مازجاً اسم «موتور سيتي» أو مدينة السيارات التي شهدت انطلاقة أول سيارة موديل «تي» في العالم، و«تاون» التي يستعملها أهالي ديترويت، ليخرج باسم «موتاون» كتحية للعمال الذين صنعوا مجد المدينة. على أي حال، يقول غوردي بأنه استوحى صناعة الأغاني من صناعة السيارات: «تعلمّت أن أجتاز عقبةً فكرية كل يوم، هكذا كما يفعل صانعو السيارات، ليخرجوا بسيارة كاملة من العدم. يا له من أمر مدهش!». طبق غوردي بعض استراتيجيات صناعة السيارات في عمله، حيث أوجد وظيفة مراقبة النوعية لتخرج فقط أفضل التسجيلات إلى النور، إضافة إلى اجتماع يوم الجمعة حيث يدلو الجميع من عاملين وفنانين برأيهم ليخرجوا بأفكار جديدة ونتائج أفضل ليصبح الموتاون «صوت أميركا الشابَة الذي صبغ القرن العشرين بصبغته».

50 مليون دولار في الذكرى الخمسين

في الذكرى الخمسين لانطلاقته، أعلن الاستديو عن مشروع توسيع وتحسين بكلفة 50 مليون دولار ستجعل منه مقصداً سياحياً عالمياً بحسب الإدارة. ويبدو أنّ الرقم خمسين سيكون رمزاً لهذا المشروع الذي سيغطي خمسين قدماً مربعاً حول المبنى الحالي المتواضع. المشروع يأتي في وقت تقوم فيه إدارة هنري فورد بإحياء الحي كله لأن مستشفى كلارا فورد يقع فيه.

كانت المدينة تغلي
على خلفية حركة
الحقوق المدنية
وهذا ما سيؤدي إلى توسيع رقعة الأحياء المعاد إعمارها في ديترويت التي تشهد نهضة بدأت منذ ثلاث سنوات تقريباً عبر مشاريع موّلتها الولاية أو الحكومة الفدرالية كالترامواي الذي سيربط المدينة بمدينة آن آربر الأهم في الولاية بعد ديترويت، أو إعادة إعمار ضفة النهر الذي يفصل الولايات المتحدة عن كندا أو مشاريع إحياء المواصلات العامة بين المدينة وضواحيها.
أما المشروع الجديد، فسيضم مقتنيات الاستديو الحالي، بالإضافة إلى مجموعات نادرة خاصّة تمّ جمعها، كما سيركّز على الدور التاريخي للموتاون. وستكون هندسته المعمارية على الطراز الحديث بحسب المدير الحالي روبن تييري. قدّمت إدارة مستشفى فورد القريب، قطعة من الأرض ستصبح مرآباً للسيارات للمشروع الجديد. وهذا ليس المشروع الموسيقي الوحيد في المدينة، إذ ستتمّ إعادة تأهيل «قاعة ديترويت لمشاهير الموسيقى» و«قاعة مشاهير الأنغام والبلوز». ما سيضع المدينة على خارطة السياحة الموسيقية العالمية، وسيزيد أضعافاً مضاعفة أعداد زوّار الموتاون الآتين من العالم أجمع والذين يبلغ عددهم سبعين ألف زائر حالياً.
في وقت تشتعل المدن الأميركية بمظاهرات غير مسبوقة مناوئة للرئيس الحالي دونالد ترامب الذي يتهمّه المتظاهرون بالتركيز على ما يفرّق الأميركيين بدلاً مما يجمعهم، يقدّم الموتاون نموذجاً للتعايش، حيث يشكّل الفن رافعة عن الاختلافات العرقية. وفي هذا الصدد، يقول المغني سموكي روبنسن الذي أصبح في ما بعد رئيس مجلس إدارة شركة الموتاون: «حين زرنا الجنوب حيث نظام التفرقة العنصرية لا يزال سائداً، كان الناس يصلون بشكل منفصل ثم ما إن تعلو الموسيقى حتى يختلطوا، فيرقصون ويغنون معاً ويمسكون أيدي بعضهم البعض». عسى هذه الموسيقى تصل القيصر الجديد في واشنطن، وإلا فعدوى البار الذي على المفرق ستصيب مدناً أميركية كثيرة.