ضربتان متتاليتان في لبنان: استخدام بقعة سوداء خلال العرض الخاص الأول لفيلم «اسمعي» لفيليب عرقتنجي في «سينما سيتي» (أسواق بيروت)، من أجل إخفاء ممثّل يجسّد شيخاً من طائفة الموحدين الدروز (الأخبار 31/1/2017)، وتحفّظ دار الفتوى اللبنانية على فيلم «مولانا» لمجدي أحمد علي، بسبب «الإساءة إلى رجال الدين، وإثارة النعرات الدينية».


في هذه المنطقة، لدينا تشكيلة واسعة من أصناف الرقابة وأساليب التضييق. رقابة مسبقة. رقابة دينية. رقابة مجتمعية. ساطور الفضائيات (الأخبار 17/12/2014). سيف الدعاوى والمحاكم. المحاذير كثيرة. الأفخاخ عديدة. السلم الأهلي مهدّد طوال الوقت. المزاج العام معكّر على الدوام. لتخرج سالماً عزيزي المبدع، عليك أن تلبّي الأمراض التحسّسية لقائمة من الجهات والأوصياء. نتحدّاك أن تنجح في حصرهم، فهم يعشّشون باطراد.
ولكن في ما يخصّ «مولانا»، هل يمكن لفيلم، مهما بلغ من الحدّة والانتشار، أن يحقق أهدافاً من عيار الإساءة وإثارة النعرات؟ هل «المستهدف» هشّ إلى هذا الحد، حتى تزلزل مقدّساته 130 دقيقة على شاشة كبيرة؟ إذا كان الأزهر سمح بعرضه في بلده من دون حذف، لماذا دار الفتوى ملكية أكثر من الملك؟ لنربط محتوى الشريط، بعنواني التحفّظ عليه.
«مولانا» (سيناريو مجدي أحمد علي ـــ حوار إبراهيم عيسى، عن رواية لهذا الأخير بالاسم نفسه، إنتاج i Production/ نجيب ساويرس ـــ توزيع Cedars Art Production/ صادق الصباح) يتابع صعود الشيخ الأزهري «حاتم الشناوي» (عمرو سعد)، من إمام مسجد حكومي، إلى داعية شهير مع برنامج تلفزيوني. لا جدال في جرأة المضمون وأهميته، رغم مشاكل السيناريو، والركون إلى تشعّبات الرواية. الصدور في زمن الظلام والمفخخات والانتحاريين في الكنائس. تفكيك الخطاب الديني ابتداءً من جذور الفكر والعقيدة. رصد المثلث النابض بين الدين والسلطة والإعلام (الأخبار 16/1/2017).
بالنسبة إلى رجال الدين، لا يوفّر الفيلم انتقاداته لتصرّفات بعضهم. يستاء من نفاقهم السلطة، وأدائهم الميكانيكي لعملهم. يضرب في المتشدّدين والمعسّرين للحياة «المشايخ لو بسّطوا الدين مش هياكلوا عيش». يسخر منهم بشكل كاريكاتوري في مشهد الوليمة «المشايخ يبدؤوا التركيز، حين تفتح الموائد». يعادي السلفيين الذين يكفّرون الجميع، ولا يعتبرون الشيعة مسلمين. في المقابل، يظهر الشيخ الصوفي (رمزي العدل) بصورة محبّبة لائقة. حاتم الشنّاوي ذاته قريب من النّاس. مسؤول تجاه سلطة الإفتاء، وحريص على تيسير الأمور. ضميره حاضر، من دون انتحار ولا تهوّر. يحاول نطق ما يمكنه من الحق، وإلا فالسكوت أو التلميح أو التعليق الساخر. إذاً، الشريط لا يعمّم، ولا يفتح النار على المشايخ كشريحة أو كمفهوم. أين الإساءة؟
بطبيعة الحال والمهنة والطبع، الشيخ حاتم «ثرثار». يقول رأيه في العديد من القضايا الشائكة والمسائل الشرعيّة. يؤمن أنّ حريّة اختيار الدين مكفولة، لكنّه لا يجرؤ على إزعاج جمهور مشبع بخطاب التشدّد. يؤكد أنّ التفريق بين المسلم والمسيحي، وبين السنّي والشيعي، خبث سلطوي أمني، لا يمتّ للدين بصلة: «الإسلام والمسيحية تحوّلا إلى سياسة. الأول بعد وفاة الرسول، والثاني بعد خروج المسيح من بيت لحم». في الحقيقة، هناك أغنياء وفقراء، وشرفاء وفاسدون. يدعو ببساطة إلى عدم الاقتداء الحرفي بالرسول، وإنّما بروحيته وغاياته، من باب دراسته بشكل أعمق وأكثر حداثةً. يدعو إلى تحليل مسلّمات مثل «صحيح البخاري»، وعدم تصديقه بشكل أعمى: «لنعبد الله وليس البخاري». بعض الأحاديث النبوية وجدت لغايات سياسيّة، على اعتبار أنّ «نفاق أهل السلطة، وتأليف الأحاديث متأصّل منذ أيام الأمويين والعبّاسيين، وهو مستمرّ حتى الآن». يعرّج على تجارة الرق، وملك اليمين، وحرية المرأة في الإسلام. البناء الدرامي لحاتم جعله شعبياً، ساخراً، لتقريب الفيلم من الجمهور، وتبسيط طروحاته. الشيخ المحب لأغاني أنغام يسخر من الجهل، من دون ترك صاحبه بلا شرح أو تنوير. يقول ردّاً على سؤال، قبل إجابته بجدية: «المعتزلة دول كانوا بيلعبوا بالأهلي. اعتزلوا فعملوا فريق سمّوه المعتزلة». ماذا عن الفتاوى المسخرة مثل «إرضاع الكبير»؟ لا بدّ من قصفها بالطبع. هكذا، يمكن فهم الجوهر الفكري لـ «مولانا»، بغض النظر عن لبوسه الشعبوي وتوابل شبّاك التذاكر: العقل والتفكّر. هل دار الفتوى ضدّ أولي الألباب؟ هل تمرير تلك الآراء عبر بطل كاريزماتي سبّب الخوف والارتياب؟ هل خطاب «كلّنا مسؤولون» الختامي مستفز؟ إذا كان ذلك مثيراً للنعرات، ماذا عن برامج وساعات الشحن الطائفي في الإذاعة والتلفزيون؟ لماذا لم تتحرّك الدار حيالها؟
فلتدافع دار الفتوى والكنيسة عن الدين بالإنجاز، وليحفظ الأمن العام السلم الأهلي ببلسمة الجروح وطمأنة النّاس. السينما ليست الحلقة الأضعف. ليست دريئةً للاستعراض الوهمي، حول ما لا يمكن تحقيقه على الأرض بشكل كامل.