(إلى داريو وفرانكا)


لم تقاوم «صوت الشعب» (بدأت البثّ في 1 فبراير 1987) المنطق منذ البداية. قاومت المادة. وجد العاملون الأولون فيها، عينها على الأنهار الواسعة. كل ما حول الأنهار يرقص على إيقاعات الحرب الأهلية اللبنانية. لبنان في مركز الدوامة الكونية. اندفعت «صوت الشعب»، إذاك، إلى الأعماق، بروح كفاحية، معززة بنيران الرغبة.

مخلوقات حية، تنغل في الطوابق، في مبنيين. مبنى القنطاري ومبنى وطى المصيبة. «صوت الشعب» هنا، أمل آخر. أمل جديد، مع إمحاء الآمال في القصف والقنص والفهلوة السياسية المكلفة. بقلب أحمر، اشتغلت الوسائل. لم يحسب كثيرون أنّ «صوت الشعب» سوف تنجز أموراً خالدة، غير أنها فعلت. لم يحسب كثيرون أنّ «صوت الشعب» سوف تزخر بالأسئلة البشرية، بعيداً من العقل المصلحي، لصالح لبنان الحر، المستقل، الديمقراطي. استطاع الجمع، هنا، إدراك أنّ الحضور البرقي، حضور بلا قارب نجاة، وأنّ الإقامة مفهوم، يمنح اللحم والدم النشوة. لا حرب بالكلمات الشائعة. لا حرب بالأساطير والأقوال الشعبية، فمنذ اللحظات الأولى، انبنت «صوت الشعب» على البذر والإنبات والإزهار والإثمار. لا اندثار لأنّها إذاعة توهج لا وهج. لا اندثار لأن العاملين فيها، كافحوا باستمرار، داخل رحم المواد المظلمة في البلاد المظلمة.
لا يضحك الألم ولا يقتل الرثاء. هذا في تجاويف العقل الأول في «صوت الشعب». هكذا، حلّت الآمال بدل حالات اليأس في دوامة الشغل اللولبية الشرهة. لا توجد هزيمة، لأنّ «صوت الشعب» قاومت الهزيمة الكبرى، ولأنها قفزت فوق المحطات الصعبة والتيارات المعاكسة، بكفاح لا يتكرر. لن تغيب «صوت الشعب» مع الأصوات الشابة، الجديدة فيها، لأن غيابها هزيمة. كفاح الإذاعة، كفاح ثلاثي الأبعاد. الشغل والوجود والانتصار على الهزيمة الكبرى. الرفاق في الإذاعة، رفاق سلاح أوفياء. تَرَكُوا السلاح، استبدلوه بسلاح، يندفع ويحارب في كل الاتجاهات. توزع النفس على الخطوط الحمراء على الأرض، أحيا الأرض المنذورة للخراب، كأرض يونانية، تصاعد الدم فيها، من المادة إلى الإنسان ومن النبات إلى الحيوان ومن الحيوانات إلى البشر. جاء الكل باندفاعة، لا تجارى. باندفاعة لا تتكرر، بإيقاع لم ينقطع وهو يربت على الصعود، بكل إنتاج رهيب وشغل لانهائي.
شعور ببداية العالم. لم تتراجع المخاوف، لأن لا مخاوف. كل من جاء، جاء بقلبين، بأربع رئات، بأربع آذان، بأربع عيون. آل ذلك إلى جسد واحد. جاء زياد الرحباني، زياد أبو عبسي، أحمد قعبور، خالد الهبر، حسان مراد، رضوان حمزة، حسام الصباح، الياس لحود، جوزيف حرب، كارمن لَبُس، عباس شاهين، مونيكا عسلي.


حاصرت الرأسمالية الوحشية الإذاعة، لكنّها لم تتمكن منها


عشرات الأسماء الأخرى. صبوا في الصحن الواحد، في المساحة الواحدة، ضمن مكان وزمان إنسانيين. استطعام عشق، توليد فرح، دورات إنتاج، في دائرة حلزونية متصاعدة، وسعت رقع الآمال فوق الخراب والخرائب وخطوط التماس. لم يرصد أحد، بوضعية إله، بركبتين، معقودتين، تحت ذقنه. الأيدي مبسوطة نحو الضوء. هذه ليست صورة رومانسية، تفوق طاقة الأرواح والأجساد. بدأ الرجال والنساء، يرفعون حجارة القبر، عن البلاد، صبح مساء. باتت «صوت الشعب» متنفساً للحرية. الذاكرة هنا. هنا الحياة المستقبلية. باتت الآفاق أكثر علواً، مع كل من جاء من الحزب بدون توجس أو سكون. لن تترك البلاد بعد، تحت ذلك القدر من المعاناة والضعف والظلام. أشياء لا تموت. قفزٌ نحو الانعتاق من الموبقات الثابتة. أتت اللحظة وسط مشاعر الفرح والحرفة الهائلة. الحرية تخلق ببطء وسط مظاهر الاختناق الكلية. عالم يُخلق من أجل توازن القوى بين الحياة والقوى المتصارعة داخل الأحياء. لم تشذب البرامج قولاً، حين أرادت أن تقول. كروم الأرض ملك للجميع هنا. طاف حنا خلفي، حتى يخرجني من مواسم الخطر، بعدما كتبت بشأن أمني في برنامج «كلمتين وبس/ قزقوز البيروتي». أشار إلى الواجب الأول. عدم استدراج القتلة عبر البساطة الفجة. طوبى لتلك اللحظة، إذ تملكه الخوف عليَّ. طوبى لتلك اللحظة، حيث وجدنا آذاناً، تصغي لغنائنا، وسط العقبات الأكثر إغراء. صوت أصوات تتسرب عبر الريح أمام القلوب المقتولة. أمام القلوب الدامية. لا سيطرة على الظواهر. هذا صحيح. غير أن الكفاح السامي، بالحفاظ على الأبعاد الإنسانية، وسط المعاناة، حيث الفورنات العنيفة، ألحمت القلوب، بحيث أبدعت. لا تزال القلوب تبدع، على خفقات قلوب الشهداء والغائبين. لا تزال «صوت الشعب» بواجبين، لا بواجب واحد. حماية استقلالها، بعيداً من دوران الرأسمالية العنيف على أرض لبنان. حاصرت الرأسمالية الوحشية الإذاعة، بيد أنها لم تتمكن منها. حماية الاستقلال الاقتصادي، ثم كتابة ما يستأهل أن يقدم للجمهور والرفاق والأصدقاء.
من ينجو من رعب القلب، ينجو من الموت. لم يرعب القلب «صوت الشعب». لعب دور المضخة الدائمة. لا تزال مفعمة بالأمل لأنها لا تقبل أن تحاصر بالحدود. أي حدود. إنها محطة المتنبي القائل: «على قلق كأن الريح تحتي». غير أنها في صفائها المطلق، بمرحلتها الأخيرة، مع عموم الرفاق في سائر الشرق، لا تزال تتقدم للخلاص. يكفيها أنها أنجبت مئات الأسماء، أنها دوَّرت حضور الأسماء، على طول البلاد وعرضها، بدون أن تتزوج أحداً، في أي لحظة عصبية مفاجئة. هذه «صوت الشعب»، لا تزال صوت اليسار في البلاد وما وراء البحار. هذه «صوت الشعب» تنطبع على اللحم وهي تنافح عن الروح.
* مدير البرامج في «صوت الشعب»