لا ينفك خاطري في كل ليلة عن العودة الى نظارة المعلوماتية. لا ينفك خاطري عن استرجاع الجدران الصفراء وبوابة الحديد التي أصابها الصدأ من دموع الأمهات، والعامود الحجري الذي يسند الغرفة كي لا يطوى المكان على زائريه ويصبحون في طيات النسيان. ربما ليس من رابط بيني وبين تلك الرحلة سوى شريط حذائي المصادر، ووسادتي التي بقيت في بعبدا ظناً مني أني سأعود اليها.


لا شيء يشدّني نحو تلك الأيام، لا أسماء ولا وجوه ولا حتى آمر السجن الجنوبي. لا شيء سوى قصص جميلة كانت تتراقص بين جدران النظارة، وتتعرى كي تداعب خاطري وحشريّتي. تلك القصص التي وضعتها في جيبي لأبيعها في مزاد الكلمات والحب، وأطلق سراحها من مغتصب يلهو بها غير آبه بجسدها النحيل المستاء.
يصعب علي الاختيار بين هذه القصص الجميلة، فلكل منها جماله وتأثيره. يصعب علي الاختيار كأني في محضر حفل تتويج ملكات الجمال. المصادفة الأولى كانت بيني وبين شاب موقوف منذ أربعة أشهر ونصف امتهن الطب في مستشفى الجامعة الأميركية. كان متهماً وصديقه في عملية احتيال. بعد عرضهما على قاضي التحقيق، تبين أن الشاب بريء، لكنه حتى الآن ينتظر معاملات إخلاء السبيل التي لم يقدم عليها أحد من أقربائه. فالخلاف بين والديه حال دون ذلك، وخدمة أخيه الدركي في أحد السجون، حالت دون ذلك أيضاً. لم يكتف القدر بسجن هذا الشاب، بل شتمه وحاول قتله حين كان مسجوناً في نظارة أخرى. شاب في مقتبل العمر يسكن السجون ويضحك، يا لها من سريالية.
لم تنته القصة الأولى حتى راحت باقي القصص تطعنني في بسمتي، وتحبط ترحالي حتى أصابني الشلل. أقبلت عليّ قصة أخرى كشبح الماضي الذي أقبل على ابنزر سكروج في قصة تشارلز ديكنز «أنشودة عيد الميلاد». أخبرني هذا الشبح بأنّ شاباً يعمل في طلاء الجدران، لم يحصل على أجره من جاره، فما كان منه إلا سرقة شاحنة جاره. تقدّم الجار بعدها بشكوى للقضاء كي يعيد إليه شاحنته. لكنه لم يعلم أن شاحنته ستعود إليه بمصالحة أجراها أبناء الحي بينه وبين الشاب، وظلت الدعوى القضائية قائمة، إلى أن استوقف الشاب شرطياً واستدعى جاره للتحقيق في ملابسات الحادث. رفض الجار الادعاء على الشاب لأنّ ما حصل بينهما أصبح من الماضي وكل منهما استرد حقه. أصر الشرطي على كتابة المحضر بحق الشاب ليكسب بعض المال. وفعلاً، كسب الشرطي المال، وها هو الشاب بطل القصة يصلي في الزنزانة، بينما تزوره زوجته لتعلمه بأنها صرفت المزيد من المال لتسيير المعاملات القضائية، كأنما يستمع الى المعزوفة نفسها كل يوم.


ابنته حركت دموع
«أبو ربيع» حين حضنت
والدها الموقوف

أطربت معزوفة الشاب كل الموجودين في الداخل وقصصهم حتى صاروا يملون سماعها ويكتفون بسرد تفاصيل حياتهم عوضاً عن ذلك. قصة عائلية مضحكة سردها علينا صاحب معرض السيارات زميلنا في النظارة. أخبرنا كيف اكتشف زواج والده الثاني، حين أتت إليه الزوجة الثانية في ملهى ليلي كي تسأله عن اسمه وعمله، فقال لها «مهنتي نصّاب والباقي تفاصيل».
تبدد هذا الجو المضحك وتحول طقساً رمادياً حزيناً حين زارت أحد الموقوفين زوجته وابنته اللتان تعرضتا لحريق جراء انفجار قارورة غاز في المنزل. ابنته الجميلة حركت دموع «أبو ربيع» حين حضنت والدها الموقوف، إذ تذكر «أبو ربيع» أولاده وابنه ربيع.
أذكر أيضاً شاباً سورياً، أوصاني أن أتواصل مع أخيه حين أخرج كي يؤمن له الطعام واللباس لأنه بات يشعر بالخجل من تناول الطعام مع الباقين. لكن العالم الافتراضي ليس صغيراً. لم أعثر على أخيه.
ودعت هذه القصص بلا عودة لأكمل سيري نحو قصص جديدة. سمعت أن النيابة العامة تحتفظ بقصص جديدة، فقررت اللحاق بها قبل أن تضمحل. وفعلاً هذا ما حدث. زرت ذلك المكان لمدة يومين وتعرفت إلى الجميع وصادفت شاباً مسيحياً كنت قد التقيت به في مركز لمعالجة الإدمان، بينما كنت أنا وأصدقائي نقوم بعرض مسرحي تفاعلي لكل من كان حاضراً في المركز. حينها، تحدث عن تجربته وأسرته. لكني لم أفهم في بداية الأمر سبب تجنّبه لي، فقال لي قبل أن أرحل بأنّ آمر السجن أصبح صديقي، ولم يشأ أن يعطل صفاء الصداقة بيني وبينه بالتحدث معي، وأنهى كلامه بـ «كما تعلم أنا مسيحي».
صادفت رجلاً أربعينياً كان رشيقاً بعض الشيء يمارس الرياضة بانتظام. هذا طبيعي كونه آتياً من بلاد العم سام. تقرب مني سريعاً، ليعرف قصتي، ثم قاطعني بغضب ليحدثني عما جرى معه. أخبرني أنه كان مسجوناً في هولندا بتهمة حيازة جواز سفر أفريقي مزيف. بعدها، تم ترحيله الى أميركا حيث يعيش ليكمل حكمه في السجون الأميركية. خرج الأربعيني بعد سنتين ونصف السنة ليزور لبنان، وها هو الآن يجلس بيننا لأنه لا يملك الأوراق الرسمية التي تؤكد انتهاء المدة المتوجبة عليه.
جميلة هذه القصص بباطنها وبأصحابها وبروحها المشرّدة. جميلة كطفل أعزل يجلس بين أشلاء والديه، كجمال امرأة تتعرض للعنف على يد رجل مجرم. واليوم أتساءل: كيف هي تلك القصص الآن وكيف حالها؟ كم يوماً كبرت وكم شخصاً قرأها بعدي؟ أتساءل ان خرجت للمارّة وللسيارات والمقاهي ودور العبادة؟ أم ما زالت تغني وحيدةً وآمر السجن يعزف لها مقطوعات حزينة، أو ربما كانت تنتظر رسولاً يحملها ويجوب بها منازل الفقراء ليطعمهم من تجاربها.

* قصص سمعها باسل الأمين خلال فترة اعتقاله في «نظارة» مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية والمعلوماتية، على خلفية بوست كتبه على فايسبوك (الأخبار 9/12/2016)