قليلة هي المسرحيات التي يمكنها أن تأخذك إلى هذا الحد من الدهشة. عادية هي في التفاصيل، لكنها في الوقت عينه محبوكةٌ بدقةٍ تجعلها أشبه بسجادة عجمية أمضى صاحبها عمراً في حياكتها. تأتي مسرحية «كلكن سوا» لـ «المعلّم» كميل سلامة حدثاً جميلاً على الخشبة اللبنانية هذه الأيّام.


تزدان المسرحية بأبطالٍ ثلاثة: بديع أبو شقرا، رودريغ سليمان، وباتريسيا نموّر، حيث تتقارب أداءاتهم إلى الحد الذي يجنبك سؤال: من هو بطلُ المسرحية الأوّل؟ من هو الألفا هنا؟ لكن الحقيقة أنَّ الألفا بلا منازع هو كميل سلامة، فكاتب النص (منذ عام 2001 ولم يخرجه إلا اليوم) ومخرجه وقلبه النابض، نجح في تقديم لغةٍ مسرحية «أكاديمية» بعيدة عن الرتابة وضخها بالإمتاع رغم لسعة المرارة التي تزينها جيئةً وذهاباً.
تحكي المسرحية قصة مباشرةً بين أبطالٍ ثلاثة يتشاركون الحيز الزماني والمكاني نفسه، لكن بشكلٍ خلبي. يحدثنا سلامة: «تدور المسرحية في زمن الحرب، أي حرب. قد تدور في حروب أنا عشتها، وقد تكون في حروبٍ من القرون الوسطى، لكن أساس المسرحية هو الإنسان والعلاقات البشرية. فهي تدور حول الحب والإخلاص والصداقة. ولأن الإطار هو الحرب، فهو يغيّر في طبيعة الناس». هي الحرب في أي زمانٍ ومكان، الحرب التي «تعرّي» كل ما فينا. البطلان على المسرح رودريغ وبديع، يحاولان الإبقاء على حياتهما طبيعية رغم «القصف» العشوائي. هما مضطران للبقاء في منزل رودريغ، لكن بديع يريد العودة إلى منزله وأطفاله. هنا تبدأ اللعبة الدرامية بالتصاعد، إذ ينبغي لرودريغ المحافظة على زميله بتسليته، وتذكيره بماضيهما المشترك، وذكرياتهما الطفولية والشبابية معاً. يشدنا كميل سلامة بنصه وبالكيمياء الموجودة بين أبطاله الثلاثة: رودريغ سليمان وباتريسيا نمّور تلميذيه السابقين (درّسهما في معهد الفنون)، وبديع أبو شقرا الذي اختاره بعد متابعته فنياً في أكثر من عمل. يظهر أبو شقرا كثيراً من قدراته الأدائية حين يعطي شخصية every day person أو الـcommon man: يشتم، ويغضب، وينفعل، ويعيش حياته اليومية بين العمل والأولاد والمنزل والزوجة؛ فيما يتألّق رودريغ في شخصية أكثر «غموضاً» و«عاطفيةً». من جهتها، فإنّ باتريسيا الذي تبدو شخصيتها كما لو أنّها «القدر» في المسرحيات اليونانية، تعطي أداء مميزاً، خصوصاً في لقطات «الضوء» التذكرية، حيث ترسم أكثر من شخصية في دقائق قصيرة. في منحى آخر، أراد «الحائك» سلامة أن يستعيد شيئاً من نوستالجيا التلفزيون حين أشار في المسرحية إلى مسلسلي «بيت خالتي» (كتبه هو وكان من أروع ما قدمته الشاشات اللبنانية ولربما أوّلها لناحية السيتكوم) و«بربر آغا» (للنجم أنطوان كرباج) اللذين ينتميان إلى الزمن الجميل للتلفزيون، وهذا ما فعله أيضاً في مسرحياته السابقة.


كيمياء قوية بين الأبطال الثلاثة رودريغ وبديع وباتريسيا



بديع أبوشقرا النشيط تلفزيونياً (انتهى أخيراً من تصوير «الرقص مع النجوم»، ويعمل على مسلسل «لآخر نفس» مع كارين رزق الله) يقول لـ «الأخبار»: «المسرحية فيها أشياء كثيرة مهمة. هناك نص لبناني واقعي وحديث، ونحن نفتقد لهذا النوع من النصوص. لدينا أشياء عبثية، وأشياء ربما أصبحت تصنّف كلاسيكية (كمسرح عصام محفوظ)، لكن ليس لدينا مسرح معاصر واقعي. كما أنّ كميل سلامة يتمتع بنكهة خاصة صنعت تاريخه المسرحي. وحين تعمل مع مخرج من هذا النوع، تشعر بأنك كممثل تقوم بعملك بشكل دقيق. تخدم رؤية المخرج على طريقتك وتوصلها من خلال وجودك جسدياً على المسرح. النقطة الثالثة هي المسرح، فالمسرح هو حالة تغييرية ونحن بحاجة إلى هذا التغيير في هذا الشرق». باتريسيا نمور بدورها تخبرنا عن المسرحية: «دوري هنا يعيدني إلى أدواري الأولى في مسيرتي الفنية حيث أؤدي دوراً درامياً بحتاً، بعيداً عن الأدوار الكوميدية التي يعرفني بها الناس حالياً». ربما يعتبر رودريغ سليمان من القلة التي يمكن تصنيفها بكلمة «نجم سينمائي»، إذ يطلّ هذا العام في خمسة أفلام هي: «أنا مش شهيد» (اخراج سماح القاضي)، «المسافر» (هادي غندور)، «بيت البحر» (روي ديب)، «من السماء» (وسام شرف)، و«نار من نار» (جورج الهاشم). يحدثنا سليمان عن المسرح، قائلاً: «لا أحد يمكنه وصف شعوري حين أكون على خشبة المسرح؛ فالمسرح هو الأساس».
في الختام لا بد من الإشارة إلى الموسيقى التصويرية الجميلية لإميل عوّاد، الذي يبدع في تقديم موسيقى تليق بعمل بهذا الحجم. كذلك، لا ننسى بقية العاملين في المسرحية مثل جورج الأسمر لتصميم وتنفيذ الديكور، وهاغوب ديرغوغاسيان لتصميم الإضاءة، والصوت لداني بستاني، إلى جانب مساعدة المخرج لينا سلامة، ومدير الإنتاج جورج باسيل، ومدير المسرح أدون خوري.

* «كلكن سوا»: 20:30 ــ «مسرح دوار الشمس» (الطيونة ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/281078