أن تتصرف بالعملة النقدية الأميركية لتصنع فناً بصرياً يدخل في إطار المفهومية، وأن تكيّف العملة الورقية الأكثر شهرة وتضعها في إطار الترميز المضاعف... تلك تجربة جديدة يخوضها الفنان متعدد الوسائط هادي سي (1964- بيروت) في معرضه الحالي «صفر» الذي تحتضنه «غاليري صالح بركات» (كليمنصو).


لسنا في بنك، ولا أمام خزنة. لسنا في متحف عملات، ولا في معرض نقدي، بل في بورصة هادي سي الفنية، حيث يقيّم النقد عبر النقد، والفن عبر الصفر، والتصميم عبر الترميز، والصورة عبر التأليف وإعادة التأليف، والتجهيز عبر التركيب، وتكثيف الجرعات. معرض هادي سي الذي يعتمد على النقد الورقي من فئة الدولار الأميركي كعنصر بصري تكويني للأعمال، يضعنا أمام تجربة فريدة ذات مروحة واسعة من الاحتمالات، مع إصرار فلسفي فكري واحد: «صفر»!
بداية، تصرّف هادي بالفئة النقدية. هنا لا أرقام متعددة بل «الصفر» حصراً. يضعه هادي رمزاً متوسطاً لشكل عملته الفنية الجديدة، يحافظ على لونيته الأساسية، فالعملة بقيت «خضراء»، لكن العناصر البصرية حوِّرت، فيما بلغ الترميز الذروة. لسنا أمام إعادة تصميم عملة من «فئة الصفر»، بل إعادة بناء فكرة النقد الورقي «نقدياً»، ومصاغاً ضمن عملية إعادة تشكيل بصرية صلبة. تتوسط كلمة «صفر» أو zero بنية النقد الجديد.
كثر هم المصممون الغرافيكيون الذين لعبوا على تصاميم جديدة للدولار بكل فئاته، لكنها بقيت تصاميم لإعلانات، ولم تدخل في إطار العرض المباشر التشكيلي، وكانت بغالبيتها تؤدي وظائف خارجة عن الإطار الفني والمفهومي الصرف كما عند هادي. لكنّ فنانين كثراً تصرفوا بالأشكال النقدية، أو استثمروها في لعبة بصرية، أو أعادوا طبعها بألوان مختلفة.


حفلة بصرية تشكيلية
غنية لكل أنواع الذواقة

أشهر هذه الأعمال تعود إلى فترة صعود الحقبة الصناعية، وبشكل خاص ما بعدها. مثلاً، اختار المعلم الكبير اندي وارهول (1928 ــ 1987) أن ينجز - بطباعة حريرية – مجموعة من النقود، وكانت له أيضاً مجموعة متلاصقة من 200 دولار كل قطعة منها تتألف من فئة الدولار الواحد. حينها، أراد وارهول أن يكون العمل بذاته موقفاً، وهذه المجموعة مثلاً لا حصراً بيعت قبل أربع سنوات في مزاد «سوثبيز» الفني بـ 43.8 مليون دولار أميركي. عمل وارهول أيضاً على رمز الدولار بألوان مختلفة. لقد كان أول من باع ــ بعد الكبير مارسيل دوشان ـــ الـ ready made، عندما كان يترك إمضاءه على أوراق نقدية من فئة الدولار الواحد والدولارين، وها هي تباع اليوم (فئة الدولار الواحد) بما يقارب الـ 6000 دولار في المزادات العلنية الفنية. شكل ذلك الفعل الفني بذاته ثورة هامة وموقفاً أيضاً رداً على تسليع كل شيء، وخصوصاً الفن! نعم كان موقفاً. لكن هل أراد هادي سي أن تكون نقوده «الصفرية» الخضراء موقفاً؟ تساؤلاته المطروحة على بطاقة الدعوة تجيبنا بوضوح: «هل يمكن للمال «الصفري» ـ معدوم القيمة الفعلية - أن يباع مقابل مال؟ يجيب: أجل. فمنذ أيام الخوارزمي» - بالمناسبة تتوسط صورته بعض النقود الصفرية التي ابتكرها هادي، مكان واشنطن- ومنذ ألغوريتمات الخوارزمي، أخذ الصفر حيزه القيمي في الاقتصاد وفق ما يشير هادي.
أعمال المعرض تبدأ في 2008 مع zero العملة الخضراء المؤسسة للمعرض ككل، وهي تقنياً تعدّ عملاً فوتوغرافياً مركباً على ورق fine art بقياس يقل قليلاً عن المترين! نعم، الورقة هذه بقياس 180 × 76.5 سنتيمتراً ومنها ثلاث نسخات طباعية و3 نسخات كناية عن «اختبارات للفنان». لكن غالبية الإنتاج في المعرض كان بين عامي 2015 و2016.
لم يكتفِ هادي بابتكار عملته الصفرية، بل أراد أن يطبعها برزمات كثيرة، ويضعها كحشوة لمخدات النوم، وأيضاً كحشوة للستائر الدشمية الحربية أمام طاقة القنص. هندسَ هادي ساحة فوتوغرافية وصمم وركب نقوده «النقدية» بشكل يخدم فكرته كيفما دار خياله، فكانت تلك النقود شمسية تارة، وميزان عدل غير متساوٍ طوراً، وكانت سترة واقية للرصاص، وقلباً وقلباً آخر مكسوراً... كل ذلك ضمن إطار التركيب الفوتوغرافي. لكن هادي لم يكتفِ بالطرح البصري الرمزي الخالص. لقد جلب شباناً وشابات وتداخلت أصفاره في صورهم، فكانت مرة هي الستائر، ومرة أخرى الخلفية.
هادي الذي أقام معارض فردية عدة في باريس ونيويورك وبيروت، هو في الأساس متعدد الوسائط كما يظهر المعرض الحالي. صحيح أنّه ينوع في التقنيات من التركيب والتجهيز وغيرهما، إلا أنّ اسمه ارتبط بشكل خاص بعالم التصوير الفوتوغرافي. لذا كان لا بد من أن نجد براعة بنيوية في التصوير. لكن ما يشكل نقلة نوعية في المعرض هو التكامل في الطرح البصري، كأنّه يصنع brand من النقد «الصفري» في حفلة بصرية تشكيلية غنية لكل أنواع الذواقة ومقتني الأعمال الفنية. كأننا بهادي يقول: لا حدود لخيالي، ولا حدود لإمكانيات الفن في التعبير، ولا حدود للـ «صفر» إن ارتبط بإرادة فنية. لكن هل استعاد ثورة المعلم الكبير أندي وارهول؟ هل حاول إعادة إحيائها رفضاً لواقع فني مزرٍ وسوق فنية تسليعية؟ أم أراد فقط أن يضيء على نواحٍ فنية وفنية – تسليعية جلية يتغاضى عنها التشكيليون والنقاد ومجتمع الفن ومقتنو الأعمال الفنية؟ وهنا نشير إلى أنّ هادي استعاد أيضاً حماراً يحمل «أصفاراً»، ويمشي باتجاه الصفر المتدلي أمامه... ومنه! هكذا، أصبح النقد... «نقداً».


* «صفر» لهادي سي: حتى 11 شباط (فبراير) ـــ «غاليري صالح بركات» (كليمنصو) ــ للاستعلام: 01/345213

http://www.bbc.com/news/entertainment-arts-33058821