بعد سلسلة أعمال وثائقية، قدم فيليب عرقتنجي (1964) باكورة أعماله الروائية «البوسطة» (2005)، عن ذاكرة الحرب الأهلية، ثمّ «تحت القصف» (2007) عن حرب تموز 2006. بعدها، جمع هذه الحروب وغيرها من ذاكرة عائلته في «ميراث» (2013).


ها هو يعود اليوم الى الصالات بعمله الروائي الرابع «اسمعي» (كتابة منى كريّم وفيليب عرقتنجي وإخراجه، وإنتاج شركة «فانتاسكوب»). لا تخلو كتابة سيناريو فيلم جديد أو التحضير لتصويره من رحلة بحث طويلة، ويوميّة، يخوضها المخرج أو الكاتب. ما الجديد الذي اختبره فيليب في «اسمعي»؟ ولماذا اختار أن يروي هذه القصة بالتحديد؟ في لقاء مع «الأخبار»، يستعيد عرقتنجي عامين أمضاهما في مغامرته الجديدة.
«بدأ المشوار بفكرة فيلم عن المرأة، لم أعلم ما إذا كنت سأصنع روائياً أو وثائقياً، كان السؤال ما الذي تريده المرأة من الرجل؟ ثم استوقفتني فكرة أن الرجل هو أقلية، بالنسبة الى عدد النساء في البلد. يقال إنّ هناك أربع نساء مقابل رجل. ليس هناك إحصاء واضح. قرّرت أن يكون الفيلم من وجهة نظر الرجل الذي لا يتكلم إلا نادراً، بل يسمع ويستمع كثيراً. لهذا وضعت مساحات بصرية خالية من الحوار، لقراءة ما هو السمع».
خياره بأن يكون الفيلم أيضاً عن «الصوت والسمع»، عزاه عرقتنجي الى حبّه الشخصي للإصغاء، متأثراً منذ صغره بالاستماع الى أحاديث النساء حوله «في الصبحيات». يضيف أنه هو أيضاً رومانسي «أحبّ قصص الحب، وهي موجودة تقريباً في كلّ أعمالي السابقة. أحاول هنا أن أصوّر بورتريهاً عن حبّ فتّي وبورتريهاً عن حبّ ناضج، يتواجدان في حياة الرجل».
القصّة أبطالها شباب، حيث قضى فيليب وقتاً طويلاً يستمع اليهم والى قصصهم. ساعدته مرحلة الكاستينغ التي قابل خلالها الكثير من الشبان والشابات، حتى إنّه اختار فريق العمل من الشباب، كي يبقى في عالمهم. يقول عرقتنجي إنّه من عالمهم ومن إصغائه اليهم، وجد نتفاً من حكايات قصيرة جمعها أيضاً وأضافها الى النصّ.
في حوار الكواليس مع شباب الفيلم، وجد المخرج اللبناني نوعاً من الانفصال عن الواقع: «هناك نوع من اختباء. هناك الـ «هم» والـ «نحن». وهذا ما يجعل البلد يراوح مكانه. نحن نجرّب من خلال العمل أن نوقظه». ويشدّد هنا على أهمية «أن نصغي لبعضنا بعضاً». أمر آخر يريده فيليب من خلال العمل، هو طرح أسئلة ونقاش حول كل المسائل المطروحة في الفيلم.
الى جانب ما واجهه مع الرقابة وانتهى بعدم السماح لمن هم دون الـ18 سنة بمشاهدة الفيلم بسبب تضمّنه مشاهد تصنّف «جريئة»، وتدخّل مرجعيّة دينية والطلب من فيليب حذف صور مشايخ بسبب المشاهد ذاتها، يعلّق عرقتنجي أن الصعوبات اليوم تأتي من وجود ضغوط كثيرة. يوضح: «أريد أن أصنع فيلماً يراه الناس، ليس تجارياً وليس للمهرجانات، وفي الوقت نفسه يجب أن يشارك الفيلم في مهرجان حتى يجد سوقاً في الخارج»، ويذكّر هنا بالصعوبات المادية في سوق الإنتاج اللبناني.
ختاماً تمنّى عرقتنجي أن يستطيع أن يستقلّ عن فكرة تمثيل لبنان، أن لا يُنظر الى أعماله من زاوية «يمثّلنا أو لا يمثّلنا، أريد ببساطة أن أروي قصّة»، وأيضاً أن يستقل عن تمنّيات الغرب على صانعي الأفلام من الشرق، أن يتكلموا عن الموضوع السوري أو «داعش» أو ما الى ذلك.