قبل نحو عامين، لمع اسم إسلام البحيري في مصر، ثم خارجها، كأحد دعاة «تجديد» الخطاب الديني في العالم الإسلامي. كان قاسياً في نقده لكتب التراث، وفي تعرّضه لرموز تاريخيّة وشخصيّات «مقدّسة» أو «شبه مقدّسة» لدى المؤسسة الدينيّة، والحديث عن المؤسسة التي تتبع «أهل السُنّة والجماعة» فضلاً عن «السلفيّة» طبعاً (كمدرسة). حمّلهم مسؤولية التأصيل الأيديولوجي للظاهرة «الداعشيّة». في المُحصّلة، لم يَخرج الشاب، ظاهراً، عن قصديّة «طلب الإصلاح» في الدين.


آنذاك، لم يرق هذا لدعاة «التيار الإلحادي» المتنامي، في مصر وخارجها، إذ لم يَعد ينفع برأيهم (أحمد حرقان واسماعيل محمد ورفاقهما مثلاً) خطاب «الترقيع» المتواري خلف خطاب التجديد والإصلاح وما شاكل. لقد ملّوا مِن فشل المحاولات المتراكمة. في النهاية، سُجن البحيري بـ «جُرم ازدراء الأديان». حصل هذا عندما غضبت مؤسسة الأزهر عليه. عندها، قال هؤلاء المُلحدون للبحيري: «ألم نقل لك!». كتب أحدهم يومها: «يبدو أن المؤسسة الدينيّة في مصر تعمل لمصلحة نشر الإلحاد. شكراً لها».
لم تكن المرّة الأولى التي تحصل فيها هذه «المسرحيّة» الهزليّة. تكرّرت لاحقاً. قضيّة فيلم «مولانا» (الأخبار 2/2/2017) تقع هنا تماماً. في لحظة ما، وأنت تُشاهد الفيلم، تشعر أنّ الجهة التي تقف خلفه «إصلاحيّة» حقّاً. الفيلم يؤنسن رجل الدين. يُظهره بشريّاً. يُخفّف، في بعض مشاهده، مِن سوء صورته التي شاعت خلال السنوات الأخيرة. صورته التي أصبحت، أو تكاد، نمطيّة. يُبعده عن «الداعشيّة». أكثر مِن ذلك، بل وعلى العكس تماماً، يجعله الفيلم محارباً فطناً ــ وبقالب إنساني بلدي ــ لنزعة التطرّف الأعمى. إذاً، ما الحكاية؟ أيُعقل أنّ رجال الدين لم يروا هذا عندما شاهدوا الفيلم؟ يبدو أنّهم لا يُريدون رجل الدين إلا إلهاً. أو ربّما معصوماً عن الخطأ. حسناً، عُرض الفيلم في النهاية داخل مصر، وإن عاكس هذا رغبة المؤسسة الدينيّة، إنّما بعد «جلبة» وأخذ وردّ. رغبة السياسة، هذه المرّة، كانت أقوى. الحاكم المصري يُريد الفيلم رسالة إلى السعوديّة. رسالة يُمكن استثمارها لاحقاً. لكن الفيلم لم يُعرض في لبنان! مؤسسة «دار الفتوى» في بلدنا، المؤسسة الدينيّة في بلد «الكبّة النيّة» والحريّات، أرادت أن تُزايد على «الأزهر» في مصر؟ أليست هذه الأخيرة مرجعيّة إسلاميّة؟ ما الحكاية؟ ابحث عن السعوديّة. ابحث عن أوراق الاعتماد التي تُقدّم إلى «طويل العمر» ومعه «آل الشيخ». الفيلم كان قاسياً على «الوهابيّة» السعوديّة ـ نعم صحيح ـ فاضحاً تغلغل أفكارها في مساجد مصر ومدنها وحاراتها وعشوائياتها، بل داخل مؤسسة «الأزهر» نفسها. هذه الموجة المتصلة بدأت منذ حقبة «الرئيس المؤمن» (السادات). حصل ذلك ويحصل بفعل «الفلوس اللي زيّ الرز». هنا يكمن سبب أصلي للضجّة المثارة حول الفيلم. بالمناسبة، في رواية «مولانا» لإبراهيم عيسى، التي اقتبس الفيلم مِنها، الكثير مِن التفاصيل حول واقع «الوهبنة» في مصر. الغريب أنّ الرواية لم تُمنع في بلادنا، ولم «تُشجذّب» كذلك، أما الفيلم فتمّ «فرمه». يبدو أن «دار الفتوى»، مطمئنة إلى أنّ «رعيّتها» لا تقرأ.
أسباب أخرى، في العمق، تجعلنا ربّما نستوعب أكثر الضجّة «الدينيّة» (المؤسساتيّة) التي أثارها الفيلم. إنّه يتطرّق إلى «المعتزلة». هذه الجماعة المؤمنة التي أبيدت، تدريجياً، قبل قرون على يد «غلاة السلفيّة» (في إحدى نُسَخِهم الأولى). بالتأكيد، لا «معتزلة» في عصرنا الحاضر، كأحد مذاهب «علم الكلام» (العقائد) كما كان في زمن واصل بن عطاء الذي «اعتزل» شيخه الحسن البصري (العصر العباسي). إنّما في مصر اليوم، ومنذ منتصف القرن الماضي، يوجد تيّار فكريّ غير مؤطّر تنظيميّاً يُعرف بـ «المعتزلة الجدد». إبراهيم عيسى، مؤلّف الرواية، وكاتب سيناريو الفيلم، هو أحد المنتمين إلى هذا التيّار. صاحب «نقد الخطاب الديني» الراحل نصر حامد أبو زيد كان أحدهم أيضاً، وقد دفع الثمن. كذلك حسن حنفي وخلفه خطّ يصل إلى محمد عبده وآخرين، وكلّ على طريقته.


الفيلم كان قاسياً على «الوهابيّة» السعوديّة، فاضحاً تغلغل أفكارها في مساجد مصر ومدنها وحاراتها وعشوائياتها

لطالما عبّر «التيار السلفي» عن «خطورة» هذا التيّار العقلاني. الشيخ حاتم، بطل الفيلم والرواية، تلّح عليه فتاة لمعرفة مَن هم «المعتزلة». يُجيبها بتبسيط يُناسب مستوى إلمامها: «ربّنا بالعقل عرفوه، هي دي نظريّة المعتزلة». يستشهد بحديث للنبي، في ضرورة الشكّ، يقول فيه: «نحن أحقّ بالشكّ مِن (النبي) إبراهيم». هذه فكرة، ورغم أنّها حديث نبوي، لنا أن نتخيّل كم تكون مرعبة لأيّ مؤسسة دينيّة تدعو إلى «التسليم»... بلا أسئلة. أيّ مرجعيّة دينيّة (إسلاميّة سُنيّة تحديداً) ستتقبّل فيلماً يضع «ثوريّة وزهد» الصحابي أبي ذر الغفاري في مقابل «ترف» الصحابي عثمان بن عفّان؟ هذه أبواب موصدة يجب ألا تُفتَح. ابن تيميّة يحضر في الفيلم أيضاً. يسأل الشيخ أحدهم: «هل ستفهمه هذه الفتاة، التي أسلمت حديثاً، بعدما كانت نصرانيّة؟». قضيّة زواج النبي مِن زينب بنت جحش كانت حاضرة. إنّها حاضرة في أسئلة «الشبهات» منذ أمد بعيد، على الإنترنت وفي المنتديات، قبل الفيلم وقبل الرواية، ولكن الشيخ حاتم يخرج منها بطريقة ذكيّة. بالمناسبة، كان عيسى في الرواية حريصاً على ألا يأتي بحديث نبوي إلا مِن «صحيح البخاري» (مع ذكر رقم الحديث). في هذا الإطار، تعرّض لقضية «إرضاع الكبير». تحدّى أن يُغالطه أحد. لم يَفعل أحد. إنّه ينقل ما هو في كُتب «الصحيح» عندهم. هذه ورطة. جاؤوه مِن مكان آخر... «إثارة النعرات». كم كان الشيخ حاتم «تنويرياً» عندما قال لشاب ترك الإسلام وأصبح مسيحيّاً: «عليك أن تفرّق بين الدين ورجال الدين». لا يُريد للفتن أن تعمّ البلاد. لا يُريد حركات أسلمة ولا حركات تنصير، على حدّ سواء. هذه الفكرة تحديداً لم تُعجِب الشيخ محمد الصاوي، السعودي المقيم في مصر، الذي عقد خطبة ناريّة قبل نحو أسبوع ضد الفيلم. الآن يُكمل الشيخ السعودي دوره في «وهبنة» الاسكندريّة وما حولها. هذه على الهامش.
وعودة إلى الفيلم. إلى مقطع، أو مقاطع، الشيعة في مصر. الفيلم ليس متعاطفاً مع الشيعة بقدر ما يدعو إلى «حريّة المعتقد». الشيعة أقلّ مِن أقليّة في مصر، لكن رغم ذلك، بُحّت حناجر وكلاء «السلفيّة» هناك وهم يُحذّرون مِن الخطر الشيعي. كلّ شيخ يذهب إلى السعوديّة، فيتخرّج من كليّاتها الشرعيّة، ثمّ يعود إلى مصر حاملاً هذه «القضايا». الشيخ حاتم لا يُريد تكفير الشيعة. هذه رسالة الفيلم في هذا الجزء. مقّدم البرنامج التلفزيوني الذي يحلّ فيه ضيفاً دائماً، يتهم الشيخ بأنّه يُدافع عن الشيعة، ويُصرّ على أنّ «فتوى الشيخ شلتوت استثناء». إنّها إشارة قيّمة. إنّه يتحدّث عن شيخ الأزهر في منتصف القرن الماضي، محمود شلتوت، الذي كان مِن دعاة التقريب بين المذاهب الإسلاميّة، واشتُهر بفتواه في «جواز التعبّد على مذهب الجعفريّة، المعروف بمذهب الشيعة الإثنا عشريّة، كسائر مذاهب أهل السُنّة». هكذا «واقعة» تاريخيّة، حديثة نسبيّاً، يستعيدها الفيلم الآن بعدما طُمس ذكرها، فهل لدعاة الفتن السُنيّة - الشيعيّة اليوم أن يقبلوا أن تمر هكذا؟ إنّها بمثابة الماء ضدّ نارهم. تزداد أهميّة هذه الاستعادة بعد نحو أربع سنوات على مقتل رجل الدين الشيعي في مصر، حسن شحاتة، وهو مصري، ومعه بعض رفاقه على أيدي «الغوغاء» بإيعاز مِن مشايخ السلفيّة في مصر والسعوديّة. تلك الحادثة التي شغلت الرأي العام المصري، خاصة بعد انتشار مشاهد فيديو للجريمة، ظهر فيها الحرق وسحل الجُثث والتمثيل فيها (في إحدى قرى محافظة الجيزة). في الفيلم، أسقطت مشهديّة الحرق والقتل الجماعي هذه على «الصوفيين». هؤلاء الذين تعرّضوا، هم وأضرحتهم، لفنون التنكيل والتضييق في مصر (وفي بلدان أخرى). هؤلاء الذين لا تطيق «السلفيّة» على الطريقة «الوهابية» سماع ذكرهم. ينفجر الشيخ حاتم عندما يُشاهد ما حلّ بشيخه (مختار) الصوفي، قائلاً للمشاهدين: «إنّه شيخي وأستاذي، اللي شفتوه هو حبيبي وأستاذي، وكلّ ذنبه أنّه حب النبي وآل بيته».
علاقة الشيخ حاتم مع «أمن الدولة» لم تنقطع. ليس ملاكاً. إنّه في النهاية إحدى حلقات المنظومة. لكنّه أخيراً سينفجر فيهم بعدما رأى تفسّخ مجتمعه وكيف أنّ المركب يغرق بالجميع. عندما يُسائله أحد «الأمنيين» عن المسؤوليّة، يردّ الشيخ بسؤال: «مين إللي مكّن السلفيين في بلدنا وسلّمهم كل مساجدنا، أليس أنتم؟». ينفي «الأمني» ذلك، ثم يقول: «عليه (الشيخ) أن يكون معانا عشان نحميه». يُعلّق «مولانا»، قائلاً: «الخوف ما يمنعش الموت. الخوف بيمنع الحياة».
هذا في الفيلم، أمّا في نصّ الرواية فثمّة زيادة. يكتشف الشيخ حاتم لعبة «الأمن» في السماح والمنع والقص واللصق والفك والتركيب، فيسأل الضابط عن اتجاه القبلة ليُصلّي. يدلّه الأخير. يتجّه الشيخ عكس ما دلّه، فيقول الضابط: «لا، العكس يا مولانا». يردّ الشيخ بهدوء: «هل أنت متأكّد أن قبلتكم هي قبلتنا؟».