صنعاء | ما عاد الفن يوحدُّ أهل اليمن. ما عاد الطرب يلمّ شملهم على اختلاف مناطقهم ومذاهبهم ومشاربهم الحزبية. كان الطرب هو تلك النقطة التي لا يختلفون حولها، وهم أهل طرب ومغنى بطبيعتهم من زمان، ولهم فيه تاريخ وإرث. لم يعودوا كسابق الأزمان، تفرقهم أشياء كثيرة ويجمعهم الصوت الشجي والنغم الحلو.


لم تعد السياسة والمذهبية غائبة عن حياتهم، تلاحقهم لتأويل وتفسير كل شيء. صاروا يأكلون من السياسة، ويعيشون عليها بعد «الربيع اليمني» وجملة الحروب التي أتت بعده لتأكل كل إجماع، رافعةً صوت السياسة والمذهبية والعنصريات بكافة أشكالها. وليس برنامج «أراب آيدول» سوى مثال على كل ذلك. هو مثال المُشترك اليمني عمّار العزكي (الصورة) الذي افتتح مشواره مع اختبارات الصوت في منافسة تخص الإنشاد الديني، واشترك في مسابقة تخص ذلك النوع من الغناء ونجح فيها. وهو اليوم يحصد الكثير من الإعجاب في محيط «أراب آيدول» ولا يتوقف رعاة البرنامج عن كيل عبارات المديح في حق صوته. يصف حسن الشافعي صوت الشاب اليمني بـ «العسل الدوعني الفاخر». تخبره المغنية الإماراتية أحلام بأنها تتعلم من صوته. أمّا نانسي عجرم، فلا تتوقف عن قول «الله» بعد كل مقطع غنائي يؤديه. لكن الأمر مختلف في اليمن. إذ يذهب بعضهم إلى تحقير المنطقة الشمالية التي ينحدر منها العزكي جغرافياً. يصفونه بـ «المحويتي»، والمحويت مدينة تقع في شمال اليمن، غالبية أهلها من الفقراء وممن يكدون من أجل لقمتهم. «المحويتي» هنا مفردة في الثقافة الشعبية التافهة، تأتي بنية الانتقاص من قدره ومستواه الاجتماعي.
في أوقات الحروب، تظهر حقيقة الناس. لا عنصرية ولا مذهبية أو أحقاد مناطقية تظهر بين ليلة وضحاها. أن ينام الواحد سليماً ومدنياً حضارياً، ويصحى في اليوم التالي وقد تحوّل عنصرياً. هذه أشياء تقيم في القلب، وتنتظر الفرصة فقط كي تُعلن عن نفسها.
في منطقة أخرى، مع كل حلقة جديدة من البرنامج، يتناقشون: لماذا لا يُغني العزكي مقطعاً غنائياً شمالياً، على أساس أنّ أبو بكر سالم من الجنوب؟ والعكس حين يُغني وصلة جنوبية. صارت عمليات البحث في فصيلة زمرة الدم جارية حتى في قلب الأغنيات. هكذا ضاع المطرب الشاب بين هويتين.
كما وصل الاختلاف حدود الزي الذي يتعمّد العزكي لبسه في المسابقة، وفي الفقرات التي تظهر مأخوذة من الحياة اليومية للمتسابقين، ويقومون ببثها حال الانتقال إلى وقت البرنامج المُباشر. وهذا المتسابق اليمني يلبس الخنجر (الجنبية) المعروفة في شمال بلده ومعها ما يُناسبها من زي شعبي شهير ومعروف. لكن أهل الجنوب يرون أنّ للزي دلالاته، وصار مُحمّلاً برمزية سياسية تشير باتجاه سلطة الشمال التي أمعنت في إذلالهم إثر حرب صيف 1994 بين الإخوة الأعداء، ورجحت فيها كفة جيش الشمال. من يومها، يرى أهل الجنوب أي شيء قادم من الشمال، بوصفه مرتبطاً بقوة احتلال. كأنهم يقولون: لكم أزياؤكم ولنا أزياؤنا، ولا قطعة قماش واحدة تجمعنا. لكم أغنيات الجبل والتضاريس القاسية، ولنا موسيقى البحر والساحل. وما عاد شيء يجمع بيننا. لقد وجد العديد من أبناء الشمال، العاملين في الجنوب بالأجر اليومي، أنفسهم مجبرين على عدم ارتداء الملابس التي تشير إلى المنطقة التي ينتمون إليها وإلا تعرضوا للأذى.
لا أرقام دقيقة تخص نسبة التصويت من اليمن. يقولون إنّ المملكة ترغب في بقاء المشترك اليمني حتى النهاية متجاوزة مسألة نسبة التصويت لصالحه، وما خروج المتسابق السعودي واللبناني من بعده إلا إشارة مبكرة على ذلك. تدخل السياسة برأسها طوال الوقت. وسواء فاز العزكي أم لم يفز، يبقى إشارة لحقيقة ما يحصل في الكيان اليمني اليوم، والحال الذي وصل إليه والوقت الطويل الذي يحتاج إليه للشفاء من كل ذلك.

* «أراب آيدول» كل جمعة وسبت 20:00 على «أم. بي. سي»