باريس | ينتمي السينمائي التايواني المقيم في الولايات المتحدة أنغ لي (1954)، إلى صنف نادر من السينمائيين (سبيلبرغ، سودربرغ، الأخوان كوهين...)، الذين يضعون قدماً في السينما الهوليودية وأخرى في سينما المؤلف المستقلة عن هيمنة الاستوديوهات الكبرى. في كلا الصنفين، أبدع المعلم التايواني وتألق. فقد نال أوسكار أفضل مخرج عن فيلمين متباعدين تماماً في موضوعيهما وسماتهما الإخراجية والأسلوبية: رائعته الحميمة والجريئة «جبل بروكباك» (2005)، التي حازت أيضاً «الأسد الذهبي» في «مهرجان البندقية»، و«حياة بي» (أو «أوديسة بي» 2012) الموجه إلى الجمهور العريض، وقد نال أيضاً أربعة أوسكارات أخرى بما فيها أفضل إخراج.


شكلت هذه الازدواجية لازمة في مساره. بعد رائعته الإنكليزية الحميمية «العقل والعواطف» (1995)، قدّم «النمر والتنين» (2000)، وهو فيلم حركة من صنف الكونغ فو نصّبه على عرش شباك التذاكر العالمي. ثم ارتمى أكثر في أحضان هوليوود، بفيلم مقتبس من المسلسل التلفزيوني «هالك Hulk» (2003). لكنه سرعان ما عاد الى سينما المؤلف برائعته الأشهر «جبل بروكباك» (2005). وبعد تحفة حميمية أخرى هي «شهوة وحذر» (2007)، عاد وقدّم «حياة بي»، وهكذا دواليك... حتى أن البعض لقبه بـ «براهما السينما» (راجع الكادر أدناه)، أسوة بالإله الهندي الذي شطر روحه الى نصفين، ليولّد منها «فيشنو»، إله البناء، و«شيفا» إله الهدم!
وإذا بالمعلم التايواني يحقق في فيلمه الجديد «الشوط الأول الطويل في مسيرة بيلي لين» (113 د ــ 2016) معجزة تكاد تكون إلهية! فقد التأم شطرا روحه هنا في عمل يحمل بصماته الأسلوبية كواحد من أقطاب سينما المؤلف، ويداعب في الوقت ذاته أوتار الاستعراض الهوليودي، بما يؤهله لاكتساح شباك التذاكر.
يأتي هذا الفيلم، الذي بدأت عروضه في الصالات العالمية أخيراً، في توقيت موات للغاية. توقيت لم يكن ليخطر في بال المخرج حين شرع، قبل ثلاث سنوات، في اقتباس قصته من رواية للكاتب الأميركي، بن فاونتن، كانت قد صدرت عام 2012. في الوقت الذي تتزايد المخاوف عبر العالم من الشطط والتقلب اللذين يتسم بهما أسلوب حكم الرئيس الاميركي الجديد، دونالد ترامب، يعيد هذا الفيلم إلى الأذهان «أكاذيب الدولة» التي شكلت حجر الزاوية في السياسة الأميركية في ظل إدارة جورج بوش الابن.
يروي الفيلم قصة الجندي الأميركي بيلي لين، ورفاقه الخمسة في فرقة النخبة «برافو»، الذين وقعوا في كمين نصبه «متطرفون» في بلدة معزولة قرب ديالي، في العراق، أثناء الاحتلال الأميركي. وكاد أعضاء الفرقة أن يقُتلوا، على غرار قائدهم، لولا بسالة بيلي الذي لم يتردد ـ كما تزعم الدعاية الرسمية - في الالتحام جسدياً مع «متطرف» هاجمه بسكين، فقلبها بيلي على رقبته ونحره!
تتصدر قصة بسالة بيلي ورفاقه في فرقة «برافو» وسائل الإعلام الأميركية، التي تصورهم كأبطال قوميين. تغتنم قيادة الجيش الفرصة لتنظيم جولات دعائية مطوّلة لهم عبر المدن الأميركية، للترويج لبطولاته المزعومة، أملاً في أن تغطي بذلك على فضائح وبشائع الاحتلال الأميركي للعراق، التي كانت روائحها المقيتة قد بدأت تزكم الأنوف، آنذاك في مطلع عام 2005.
يرصد الفيلم وقائع 24 ساعة في حياة بيلي ورفاقه، خلال إحدى تلك الجولات الدعائية، حيث ينتدبون للتحدث أمام الجمهور، أثناء الفاصل الإعلاني بين شوطي مباراة هامة في كرة القدم الأميركية تجري في دالاس. شيئاً فشيئاً، تنفضح «أكاذيب الدولة» المحيطة بتلك البطولات الوهمية. يكتشف المشاهد أنّ بيلي ورفاقه اضطروا للتطوع في الجيش، ليس للدفاع عن القيم الأميركية ونشر الديموقراطية في العالم، كما تروج الدعاية الرسمية، بل لكونهم يتحدرون من عائلات فقيرة يعاني جميعها من مشاكل مالية خانقة، بحيث لا يجد أبناؤها وسيلة لمواجهتها سوى التجنيد.


يروي العمل قصة وقوع جنود أميركيين في كمين في العراق


من خلال الومضات «الفلاشباكية» التي تتخلل الاستعراض الذي استُدرج إليه بيلي ورفاقه، للعب دور الكومبارس على الخشبة، خلال وصلة غنائية لبيونسي، على هامش مباراة كرة القدم المذكورة، تتكشف للمشاهد تدريجاً البشائع التي اقترفها الاحتلال الأميركي في العراق. نشاهد مثلاً إعدام رب عائلة ووالده بتهمة التآمر ضد الجيش الأميركي، لمجرد العثور على كتاب يحمل صورة صدام حسين في بيتهم رغم احتجاجات العائلة بأن الأمر يتعلق بكتاب مدرسي، وأن كل الكتب المدرسية العراقية لا تخلو من صور صدام! إلى جانب بشائع الحرب، يرصد الفيلم في قالب تراجي - كوميدي الأكاذيب الرسمية الأميركية بدءاً بقائد الجيش الذي يوهم جنوده الشباب، الذين كانوا قد وصلوا للتو إلى ساحة المعركة، بأن رشق الشبان العراقيين لهم بالحجارة لا ينم عن معاداتهم للاحتلال، بل سببه أنّ الجيش الأميركي أعاد بناء المدارس العراقية التي هدمتها الحرب. لذا يتعرض المراهقون لدورياته، لأن الشباب في تلك السن يكرهون المدارس بطبعهم! مروراً بالأسلوب الفج الذي تفاوض به الاستديوهات الهوليودية بيلي ورفاقه للظفر بامتياز اقتباس قصتهم البطولية سينمائياً، مشترطة مواقفتهم لتعديل وقائع القصة بما يوافق هوى الجمهور. يفاجأ بيلي لاحقاً بأنه سيُصبِح في الاقتباس السينمائي جندية تلعب دورها هيلاري سوانك، في حين كان يأمل أن يتقمص مات ديمون أو ليوناردو دي كابريو دوره على الشاشة! وصولاً إلى اعتراف حاكم تكساس للجنود، في جلسة خاصة، على هامش الاستعراض الكروي في دالاس، بأن سماحه بالتنقيب عن الغاز الصخري ـ رغم عواقبه الوخيمة على البيئة ـ ليس دافعه الجشع المالي، بل الرغبة في إعفاء الشبان الأميركيين من أمثال بيلي ورافقه، مستقبلاً، من مخاطر حروب كتلك التي خاضوها في العراق. ما يدفع أحد الجنود للتعليق ساخراً: «لكننا كنّا نعتقد أنّ هدف الحرب السيطرة على أسلحة الدمار الشامل لا على النفط العراقي!».






«براهما» التايواني

أنغ لي، الذي ولد في تايوان عام 1954، عرف الشهرة دفعة واحدة. باكورته «تدافع بالأيدي» (1992) نالت جائزة أفضل فيلم في مهرجان السينما الآسيوية، وفيلمه الثاني «شاهد العرس» (1993) افتك «الدب الذهبي» في مهرجان برلين، مما فتح له أبواب العالمية، فانتقل، بداية، إلى إنكلترا، حيث أنجز رائعة وضعته في مصاف كبار صناع سينما المؤلف عبر العالم، وهي «العقل والمشاعر» (1995) التي خولته الفوز بـ «الدب الذهبي» ثانية في برلين عام 1996.
ثم لم تلبث أن اجتذبته هوليود، ليقدم عبرها فيلم الكونغ فو الشهير «النمر والتنين» الذي تصدر شباك التذاكر العالمي، وحاز أوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية، عام 2001. منذ تلك الفترة، انشطرت روح «براهما السينما»، كما يلقّب، إلى نصفين: أحدهما انغمس بنجاح في الاستعراض التجاري الهوليوودي، بينما بقي النصف الآخر وفياً لسينما المؤلف التي خرج من معطفها.
في كلا الصنفين، عرف أنغ نجاحاً ملفتاً، حيث حاز «الأسد الذهبي» في «مهرجان البندقية» مرتين، وفاز بثمانية أوسكارات. وبالرغم عن الازواجية الناجمة عن تقلبه باستمرار بين الأفلام الحميمية والاستعراضات التجارية، إلا أن تيمته الأثيرة، المتمثلة في عقدة الذنب المتولدة عن الصراع بين العصرنة والتقاليد، حافظت على مكانة مركزية في كل أعماله.
هذه التيمة عبّر عنها أنغ لي في قالب سوسيولوجي متشابه في فيلميه «النمر والتنين» و«العقل والعواطف» بالرغم من أنّ الأول تدور أحداثه في الصين خلال القرن الثامن عشر، بينما تندرج قصة الثاني في إنكلترا خلال العهد الفيكتوري. ثم عبّر عن الانشغال ذاته من خلال قصص حب إشكالية محاطة بالكثير من التمزق وعقدة الذنب في ثلاثية شهيرة بدأها بـ «شاهد العرس» الذي يروي قصة شاب تايواني مغترب في نيويورك يضطر للارتباط ظاهرياً بفنانة صينية لإخفاء مثليته عن والديه المقيمين في تايوان. ثم عاد لطرق التابو ذاته في «جبل بروكباك»، من خلال قصة حب مثلية بين اثنين من رعاة البقر في بيئة محافظة في الغرب الأميركي. واستكمل هذه الثلاثية بـ «شهوة وحذر» الذي صوّر وقوع طالبة صينية مناهضة للاحتلال الياباني لبلادها، عام 1938، في قصة حب مع ضابط ياباني تم تكليفها باغتياله!
عثمان...