ليس ماهر أبي سمرا أوّل من يطرح، على الشاشة، قضيّة عاملات المنازل في لبنان. هناك أفلام مهمّة فتحت الطريق، نشير بينها إلى «الخادمات في لبنان» (Maid in Lebanon) لكارول منصور بجزءيه (2007 ثم 2011)، و«خادمات للبيع» لديما الجندي (2008). لكن الزاوية السينمائيّة والسياسيّة التي اختارها صاحب «شيوعيين كنّا» (2010) لتناول مسألة العبوديّة في وطن العسل والبخور، تصنع فرادة شريطه الجديد «مخدومين» الذي يعرض حاليّاً في بيروت.


فيلم خاص وحميم كما هي كل أفلام ماهر أبي سمرا التي يحتل فيها ضمير المتكلّم مكاناً محوريّاً من العمل الابداعي. فـ «أنا» السينمائي الشاهد، الحامل معيوشه ونظرته الجدليّة وأسئلته، والذي يروي ويعلّق بصوته غالباً في الفيلم، هي أساس تجربته النقديّة التي تقيم علاقة وطيدة، أساسيّة، بين التجربة الذاتية من جهة، والقضايا الانسانيّة والاجتماعيّة والسياسيّة الكبرى من جهة ثانية.
كارول منصور ذهبت الى سريلانكا لتصوّر تجارب «الخادمات» وآليات استغلالهنّ. ومثلها فعلت ديما الجندي التي التقطت الشهاداتوحالات الانسحاق والمعاناة اليوميّة اللا-إنسانيّة، بلغة تفرضها منهجيّة الفيلم الوثائقي. أما ماهر أبي سمرا، فبقي في بيروت ليصوّر الخواء، بكاميرا ثابتة ولغة متقشّفة. زرع كاميراه في مكتب «الوسيط» أو «المستورد»، ليفكك ميكانيسمات عبوديّة عاديّة لا نريد أن نراها، مع انها تحاصرنا. الباقي في الفيلم يقوم على شعريّة الغياب: كادرات فارغة لحيوات لا نراها، وظلال من خلف النوافذ، وواجهات بنايات وشقق مضاءة ليلاً في مدينة الشقاء العادي. الضحيّة لا تظهر على الشاشة أبداً، فهي مجرّدة، مدفونة في وعينا الشقي مع وجوه «السيرلانكيات» و«الحبشيات» و«الفيلبينيات»… اللواتي يحاصرن حياتنا اليوميّة. «الخادمة» مستترة على الشاشة، لا نرى إلا طيفها العابر، كما «الهامة» الشهيرة عند العرب القدماء. نتفرّج على زنزانتها الرمزيّة، فراشها، بصمات تعبها وغربتها. نتلمّس صمتها، نسترق السمع الى صراخها المكبوت. نرصد قهرها، ضياعها، عجزها عن التعبير، استسلامها، توقها الخافت للإفلات من فخ عظيم أطبق عليها بعدما تساقطت وعود وردية قطعها تاجر رقيق في المقلب الآخر من العالم.
إن خطاب «مخدومين» هو خطاب القسوة الباردة، الطالعة من سرد بطيء لحكايات في منتهى الرتابة، تجسّد الاستغلال في ظلّ أنماط انتاج طفيليّة. لذلك، لا تحوم الكاميرا كالغراب حول الضحيّة، متاجرةً بالشفقة واللوعة والأنين، وما إلى ذلك من توابل العظة «الانسانوية» المعهودة. بل تجعلنا نتأمّل المأساة في مرآة «الجلاد» التي ترمي بوجهنا بشاعتنا. هنا تكمن إضافة ماهر أبي سمرا، وخطابه الاتهامي الذي يفضح انحطاطنا وبؤسنا. لقد صنع فيلماً عن وهم الارتقاء الطبقي لدى فئات اجتماعيّة مسحوقة في النهاية، تستعبد من هو أضعف وأفقر منها. هكذا نتعرّف إلى معاناة «الخادمة»، عبر نظرة «الأسياد» وتوصيفهم ومفرداتهم ولغتهم وحاجاتهم، والمشاكل التي يتخبّطون بها مع «ماكينات بشريّة» معطّلة أو غير مطابقة. «المعلّمة» هي التي تحكي عن «الصانعة»، كأنّها مسرحيّة جان جينيه (الخادمتان) معكوسة. ماهر أبي سمرا يروي مأساة الرقيق المعاصر، من وجهة نظر مستغليه وتجاره وأسياده. ولعل ذروة الفيلم هي ذلك المشهد العبثي، حيث الوسيط الودود يرسم لنا، ببساطة ودقّة، الخرائط والجداول على واجهة مكتبه الزجاجيّة الشاسعة، لنفهم مصدر البضاعة، وأصنافها، وأسعارها، وكمياتها في الأسواق، وآليات الترانزيت، وكلفة الاستيراد…
فيلم «مخدومين» عن «عبدات» الأزمنة الحديثة، من وجهة نظر السجّان والجلاد وتاجر الرقيق، في بلد يدّعي الحضارة والرقيّ، حتّى أن أرباب عمل المخدومين يشعرون بالحرج من تناول الموضوع أمام الكاميرا. لكنّه أيضاً فيلم عن بشر عاديين تائهين، عالقين في الفخّ الطبقي. يقف ماهر أبي سمرا في مكان غير بعيد عن «جدليّة السيّد والعبد» حسب هيغل، ليصوّر انسانيّتنا المهدورة في مجتمع يتفكك تحت وطأة أنماط الانتاج الطفيليّة. وليروي على طريقته، قصّة الجلاد الذي أصبح ضحيّة جريمته، والسيد الذي بات عبداً لعبده. قل لي ممَ تهرب…