ما شأن الناس بأحلام الشعراء كي يكتبوها لهم؟ تساؤل يصبح مشروعاً أمام كتاب عبده وازن «غيمة أربطها بخيط» (نوفل ــ هاشيت أنطوان) الذي جاء كأرشفة لأحلام زارته طوال سنوات ورغب في تدوينها. يضع الكاتب والشاعر اللبناني الاستفهام نفسه «هل تعني هذه الأحلام - النصوص القارئ حقاً؟ ماذا يعنيه أن يقرأ أحلاماً أبصرها شخص سواه؟ هل يجد فيها نفسه؟».


لكن قبل ذلك، كيف نقبض على أحلامنا التي ذهبت كي نعيدها إلى الحياة ونثبّتها في الزمن؟! أنربطها بخيط فلا تضيع منّا! ليس سهلاً الإمساك بالأحلام حيث لا يبقى منها في البال غير صور هلامية يصعب التأكد من ملامحها بوضوح. ننسى الحلم الذي تزيد مدته عن أربعين ثانية. لكننا لا نحكي أحلامنا، بل كوابيسنا فقط. وحدها الكوابيس قادرة على مقاومة النسيان وبعضها يتكرر لمرات ويأتي في كل مرة على الصورة نفسها كأنها تقوم بامتحان روح صاحبها: «وكم من أحلام تفوتنا فننساها ولا تبقى منها ملامح ولو ضئيلة». مع ذلك «كم من أحلام تتكرّر وكأنّها تصرّ على طرق أبواب النوم لغايات غير واضحة».
على هذا، تبدو تلك المسافة بين اليقظة والنوم مريحة لأولئك الذين تعبوا من الحياة، ولذلك يذهبون باحثين عن أدوات مُغايرة على نحو يتيح لهم إعادة ترتيب سيرة الحياة نفسها، وبالتالي روايتها في قالب يناسب نفسية فاعلها. قد يبدو هذا مدخلاً لقراءة «غيمة أربطها بخيط»، وصاحبه يبدو مرتاحاً في رواية حياته على هيئة أحلام حيث «الحلم يوفر للشخص ما لم يتيسر له في حياة اليقظة». أحلام أبصرها صاحبها ليلاً «طوال أعوام» أو هي أحلام يقظة «يعمد المرء عادة إلى تخيّلها أو «صنعها» في حال من شبه اليقظة أو اليقظة الخدرة».
هي ليست المرة الأولى التي يروي فيها صاحب «حياة معطلَّة» (2008) أحلامه. لقد فعلها سابقاً في «قلب مفتوح» (2010) حين سار على درب «جدارية» محمود درويش ودخوله ذلك الممر اللولبي الفاصل بين حالتي الصحو والغياب إثر عملية مفتوحة أجراها لقلبه. لقد استثمر شاعر «أبواب النوم» (1996) تلك الحالة لتدوين أجزاء تأملية لحياته السابقة، كأنما يجري تصفية حساب معها: طفولته والمراهقة، الحب الأول ومشقة الوصول إلى سن الثلاثين، والاقتراب خطوة من الانتحار إضافة إلى قصة الأب الذي رحل باكراً. قصة الأب وحدها سيكون لها كتابة منفصلة في «غرفة أبي» (2013) وهي مُقيمة أيضاً في منطقة الأفكار المُنتجة عن طريق أحلام صاحبها وهو المُعترِف في «قلب مفتوح» بأنّه «لا أستيقظ من نوم بل من حلم»، إضافة إلى إعلانه صراحة بأنه «مدمن أحلام، في النوم واليقظة»، أو كأنه «مريض مصاب بداء هو الحلم». وعليه، يبدو وازن بأنه يكتب «ليحلم أنه يحلم، ليصنع عالماً لا يمكن أن ينهض إلا في مثل تلك اللحظة المتوهمة التي يعيشها بحواسه كافة». لكن مع ذلك، لا يمكن اعتبار «غرفة أبي» سيرة واضحة لصاحبها، حيث يختبئ وراء «سيرة روائية» ويلجأ إلى أقوال الآخرين بهدف الاحتماء بهم. وهنا، في «غيمة أربطها بخيط» نجد احتماء بالأحلام التي لا تدين أصحابها، إذ تبقى أحلاماً لا يُسأل كاتبها عنها على عكس الزمن القديم حيث كان يُدان من ظهر في حلم وهو يعتدي على أحد أفراد القبيلة: «وكان الذين تقع عليهم التهمة لا يجرؤون على إنكار هذه التهمة التي كيلت لهم، فالحالم هو الشاهد الأصدق وما دام الحالم أبصر في الحلم ما يرويه، فلا بدّ للمذنب من الاعتذار». ومن ذلك الزمن القديم، يستقي شاعر «الأيام ليست لنودعها» (2016) محاكمات جرت بسبب أحلام، وحروباً اشتعلت جرّاء تفسيرات غير دقيقة لأحلام أُخرى.


يتنقل الشاعر بين المراحل سارداً سيرته على نحو مشتهى
لكن هناك ما يستوجب التوقف عند أحلام تأتي على أرضية مُغايرة ومرغوبة، حين كانت لدى واحدة من القبائل البدائية أعراف تُتيح لرجل مضاجعة امرأة حلم بأنه نام معها وصار بينهما وصال «هذا العرف لو طُبّق في زمننا لكان لي من العشيقات كثيرات، حلمتُ أنّني أضاجعهنّ». وفي هذا تأكيد على أن الحلم ما هو في جزء كبير منه سوى «تحقيق، مقنَّع أو غير مُقنَّع لرغبة مكبوتة أو غير مكبوتة».
لكن بعيداً عن الرغبات المكبوتة، هناك حديث عن أحلام مربوطة بالغياب وبمن رحل. تُفتح سيرة الأحلام بذلك المشهد في بيت العزاء مع قيام الراحل من موته «وكانت النسوة يندبنه» وهو يسير مؤكداً «لستُ أنا مَن مات». ولن تنتهي المسألة هنا، إذ ترتبط الأحلام نفسها بموت من كانوا قريبين من حياة الكاتب. بالنسبة إلى وازن، سيظهر أنسي الحاج في أكثر من منطقة في «كتاب الأحلام»، خصوصاً أن وازن كان منشغلاً أثناء تحرير أحلامه تلك في التنسيق لإصدار «كان هذا سهواً» في إشارة لطبيعة ظهور العناصر المكّونة ليوميات الناس في أحلامهم. سيظهر شاعر «لن» في حلم يخص جماعة مجلة «شعر» وهو «يرفع نظارتيه بيد ويده الأخرى على ذقنه». كما سيأتي على سيرة «الرأس المقطوع» مع رجل «مقطوع الرأس ولكن ما من دم يسيل من عنقه»، ويعرف الحاج فيسأل عنه، وصولاً إلى بول غيراغوسيان وأمامه أُنسي يرسمه ليظهر، بعد انتهاء العمل، في لوحة «طويل الشعر، مثل امرأة لم تتسع الورقة البيضاء لشعرها، فراحت خصلاتها تتدلى من الرسمة».
في حلم آخر، يصطحب وازن صديقاً ويذهبان لزيارة أُنسي في بيته، الباب مفتوح والغرف فارغة وصوت زوجته ليلى يتبدد في قلب البيت «حين أصبحنا على الطريق أبصرنا أنسي ينادينا بضحكته الأليفة رافعاً يده اليمنى: أنا لم أعد أسكن هنا، ألا تعلمان؟». ومن مكان إقامته الجديد، سيبعث بنّص لفيروز. ستريه لصاحب الحلم ليقول «ما زال أُنسي يكتب بشغف». هكذا تتوالى أحلام وازن وهو يعبر من منطقة إلى أخرى سارداً حياته على نحو مُشتهى، يرويها بقالب مُنتج على هيئة قناع حيث يظهر التردد من ارتكاب «سيرة ذاتية» على نحو صريح. التهرّب من تدوين الـ «أنا» الساردة بطريقة مُباشرة خشية من وضوح الذات علانية أمام عيون الآخرين. لكن مع تتابع سرد تلك الأحلام بشكل يشير إلى أن «لا نهاية لنصوص هذا الكتاب» بحسب تصريح وازن نفسه، نجده وقد ختم الإصدار بـ «الحلم حارس النوم والنوم أرض كنوزه»، دراسة لمقام الحلم في حياته. أو كأنها محاولة لإقناع القارئ بما صار مُنجزاً بين يديه. وفي الدراسة إعادة موجزة لعلماء الأحلام ومن قام بتفسيرها من يونغ إلى فرويد وابن سيرين والنابلسي وعودة إلى الحقبة الإغريقية وأرطميدوس وأرسطو وانتقالاً إلى هيغل وبيرغسون وتوما الأكويني وسواهم. لقد وضعت هذه الدراسة ختاماً لتلك الأحلام على عكس رغبة صاحبها الذي أعلن أن لا نهاية لها. لقد أثقلت عليها وعارضت الانسياب الذي سارت عليه طوال الكتاب. لو أنها أتت منفصلة خارج الكتاب، لكانت تركت للأحلام مواصلة انسيابها وسيرها كنهر طويل وهادئ.