انطلق أمس «مهرجان البستان» تحت شعار له آثاره الموسيقية (يقوم عليها جزء من برنامج الدورة المرتقبة) ودلالاته الواضحة في ظلّ ما يعيشه شرقنا من تخييم للظلامية والتخلّف هذه الأيام. شعار دورة 2017 هي «ملكات وإمبراطورات الشرق» يتمحور حول شخصيات نسائية كان لها تأثيرها في تاريخ الشرق، ما جعلها موضع إلهام للمؤلفين الموسيقيين على مدى العصور، انطلاقاً من الأساطير التي نسِجَت حولها.


هكذا، غذّت سِيَر هذه النساء مجال الأوبرا بطبيعة الحال، وكذلك الأشكال الموسيقية الأخرى التي تناولت قصصهن بالكلمة والنغمة أو بالنغمة فقط (القصائد السمفونية). الريبرتوار المرتبط بشكل مباشر بنساء الشرق القديم، يحضر إذاً في معظم الأمسيات (أكثر من نصفها) التي يشهدها «البستان»، فيشكّل البرنامج بكامله حيناً أو يطعّمه بعنوان أو أكثر أحياناً. لكن المشكلة الأساسية التي تطرَح في كل مرّة نتحدّث فيها عن «البستان» وأمثاله، تكمن في سؤال/معضلة، وها هو شكله المباشر والمبسّط: كيف يمكن إقناع الناس أن الموسيقى الكلاسيكية ليست للأغنياء فقط؟ لا طبقية في الموسيقى. ما الذي يثبت هذا الأمر البديهي للناس؟ إن ارتبط هذا النمط الموسيقي بملوك وأمراء الغرب ثم بالبرجوازية، فلهذا سببٌ لا علاقة للموسيقى بحد ذاتها به. السبب تاريخي/ اجتماعي/ لوجستي وليس موسيقياً أو جمالياً عموماً. ما هو إذاً مصدر العلاقة الشائكة بين الفقراء والكلاسيك؟ إن كان الخلل ناتجاً عن كره للغرب، فهذه عنصرية. إن كان هذا الكره ناتجاً عن موقفٍ من الاستعمار، فالموسيقى لم تستعمر أحداً ولا مؤلفوها فعلوا. إن كان السبب حقداً طبقياً تجاه مؤلفي هذه الموسيقى، فما عليكم سوى قراءة رسائل موزار في آخر أيام حياته ورؤية حذاء بيتهوفن والاطلاع على لائحة ديون شوبرت و… حساب إليسّا في البنك أو سيارة أي مغنّي راب و«هيب-هوب» (موسيقى الفقراء والمضطهدين والمهمّشين!). وإن كان التلطّي خلف ستار هذه الحجج الواهية هو لإخفاء كسلٍ ما، فما على الكَسولِ إلاّ الفَلاح! بالمناسبة، لسنا هنا بصدد الدفاع عن «مهرجان البستان»، بل عن الموسيقى التي يبرمجها. وإن كان صحيحاً أنّه مهرجان للأغنياء فقط بسبب ارتفاع أسعار بطاقات حضور أمسياته، فهذا لا ينطبق على نوع الموسيقى التي يقدّمها كما فنّدنا آنفاً. ومن يدّعي العكس، نعلمه بإمكان حضور عشرات الأمسيات المجانية التي تقام بالتزامن مع «البستان» وهي من النمط نفسه. أمّا إذا كان الفقير الذي يصنِّف الكلاسيك على أنّه للأغنياء، هو ذاته الذي يدّخر ماله لحضور حفلة لإليسا (نكرّر اسمها مرة ثانية كعنوان لا كشخصية محدّدة)، والتي تكلّف بالتأكيد أكثر من حضور أمسية لكارايان لو قام من قبره، فلا حول ولا قوة إلّا بالماركسية المطعّمة — في مرحلة أولى — بنكهة نازية طفيفة.


المواعيد مهمّة بنجومها المكرّسين، وبرامجها الممتازة، واستثنائية تركيبة الفرق التي تحييها


كل هذا الكلام لقول فكرة واحدة. هي بالأحرى دعوة لكل الناس: عاملوا الموسيقى الكلاسيكية كما تعاملون أي نمط موسيقي آخر. اكرهوها انطلاقاً من الذائقة لا من التصنيف الطبقي. لا تنعتوها بأنها راقية، فالجمال وحده راقٍ وهو متوفّر في أغنية لفيروز كما في مقطوعة فانك كما في بيت عتابا كما عند موزار، وثمة أعمال كلاسيكية غير راقية أبداً! هي لا تتطلّب شهادات جامعية للاستمتاع بها. هي، كما غيرها من مصادر الجمال، تتطلّب تلقياً حساساً ومشاعر — لا ألقاباً — نبيلة. ومَن أكثر من الفقراء يتمتع بهذه المشاعر؟ بعبارة أخرى على شكل خلاصة: إن كان ذاك الأمير القطري الذي يقود الفيراري في بفرلي هيلز عديم الأخلاق والمسؤولية والإنسانية، فما دخل الفيراري وجمالها وأناقتها وما الذي يمنع اقتناءها إن توفّرت بسعر مقبول أو مجّاناً؟
إذاً، شهدت ليلة أمس انطلاقة أحد أهمّ المهرجانات الموسيقية في لبنان والمنطقة، محتفياً بملكات وإمبراطورات عشن قبل مئات السنين في بلدان الشرق، وطبعنها بشخصيّاتهن الاستثنائية، من بلاد فارس والإغريق إلى فلسطين القديمة ومصر الفرعونية وبلاد الشام: دليلة، زنّوبيا، بلقيس، كليوبترا، عايدة، شهرزاد، سميراميس، تائيس، هيروديا، جوليا دومنا وغيرهن… عشرات الموسيقيين يتناوبون على إحياء أمسيات هذه الدورة التي تستمر لغاية 19 آذار (مارس) المقبل.
فعلاً، نحتار في اختيار الأمسيات الست (في أسفل الصفحة) التي نعتبرها الأهم هذه السنة. فالمواعيد كلّها مهمّة، إمّا بنجومها المكرّسين عالمياً، إمّا ببرامجها الممتازة، إمّا باستثنائية تركيبة الفرق التي تحييها، إمّا بمواضيعها التاريخية المعطوفة على كيفية التعبير عنها موسيقياً وغنائياً (الأوبرا أو المقتطفات الأوبرالية)، إمّا بفكرتها الجديدة والغريبة (عازفة بيانو تتحوّل إلى DJ كلاسيكي بعد أمسية كلاسيكية!)... أمّا المحطات التي تخرج عن إطار الموسيقى الكلاسيكية كلّياً فهي أربع: أمسية فادو (الغناء التقليدي البرتغالي) لكاتيا غيريرو (11/3)، مسرحية تاريخية باللغة العربية (6/3) عن جوليا دومنا (إحدى نساء سوريا القديمة)، محاضرة عن عمل الروسي ريمسكي-كورساكوف «شهرزاد» (21/2) وحفلة ذات توجّه تقليدي لفرقة ألمانية تدعى Jacaranda تستخدم آلاتٍ «غريبة» (19/2). يغيب باخ كلياً عن «البستان» هذه السنة... لكنه قد يحتل دورة 2018 بكاملها!

«مهرجان البستان: حتى 19 آذار (مارس) ــــ albustanfestival.com




Quatuor Morphing
غداً


بعد الافتتاح بمقتطفات أوبرالية فرنسية وإيطالية تتمحور حول تائيس وهيروديا ودليلة وسميراميس وبلقيس، يستريح «البستان» اليوم ليعاود نشاطه غداً بأمسية لـQuatuor Morphing المؤلف من 4 ساكسوفونات (سوبرانو، آلتو، تينور وباريتون)! يؤدي الرباعي أعمالاً موَلَّفة طبعاً من تركيبات أخرى، لرافيل وغريغ وغرانادوس وغلازونوف.


«ستابات ماتر» لروسّيني
22/2


عندما نعدّد كبيرات الشرق، لا بدّ من ذكر مريم العذراء التي يحجز لها المهرجان محطةً تستعيد لحظات حزنها عند صليب ابنها يسوع الناصري. إنها الصلاة الشهيرة «ستابات ماتر» التي لحّنها كثيرون. نسمع رؤية الإيطالي روسّيني في هذه الأمسية ويشارك فيها أربعة مغنين منفردين و«كورس المسرح الوطني الصربي»، بالإضافة إلى أوركسترا المهرجان.


أوبرا «ميدِيا»
26/2


لناحية العمل الأوبرالي الكامل، كانت أمام اللجنة المنظمة مروحة واسعة من الأعمال التي تتماشى مع موضوع الدورة. وقع الاختيار على «ميدِيا» (من الميثولوجيا الإغريقية) للإيطالي كيروبيني. سيتم تقدّيم العمل كاملاً لكن بنسخة لا يتخللها تمثيل أو سينوغرافيا (وهذه طريقة معتمدة عادةً في حال عدم توفير الإمكانات)، وتشارك فيها مجموعة من المغنين الأجانب وكورس وأوركسترا المهرجان أيضاً.



كاتيا ورونو
1/3 و2/3


يحرص «البستان» دائماً على دعوة نجمٍ واحدٍ على الأقل، من النوع المكرّس عالمياً. هذه السنة، يجتمع اثنان من هذا الطراز في ليلتَين. النجمان سبق أن زارا المهرجان وهما كاتيا بونياتشفيلي (بيانو - الصورة) ورونو كابوسون (كمان) ويقدّمان برنامجَين مختلفَين. الأول فيه كونشرتو الكمان لإلغار (كابوسون) وكونشرتو البيانو الثالث لرخمانينوف (بونياتشفيلي). أما الثاني فيتألف من موسيقى حُجرَة تجمعهما سوياً.



عازفة البيانو الـDJ
4/3 و5/3


غلوريا كمبانر هي عازفة بيانو كلاسيكي شاركت في المهرجان السنة الماضية. هذه المرة، ستقدّم الكونشرتو الثالث لبيتهوفن في أمسية مخصصة للمؤلف الألماني وفيها أيضاً السمفونية الثالثة وافتتاحية «ليونور» (الثالثة). بعد يومَين تترك غلوريا البيانو وتقف وراء عدة الـDJ (لاب-توب، تورن-تايبل،…) لتمزج أعمالاً كلاسيكية. إنها فكرة فريدة من نوعها خاصة أن منفذّتها هي موسيقية محترفة.



الختام الكبير
19/3


يُختتم المهرجان هذه السنة، وكما جرت العادة، بليلة مقتطفات أوبرالية. تشترك في الأمسية السوبرانو سيلفيا دلّا بينيتا والميزو-سوبرانو باولا جاردينا (الصورة) والتينور لورنزو ديكارو. الأوركسترا إيطالية بقيادة جيانلوقا مرتشيانو. أما على البرنامج، فعمل مهم لبرليوز بعنوان «موت كليوبترا» ومقتطفات لفيردي من «عايدة» ومن «نابوكو» (أي نبوخذ نَصَّر)… لكي يكون أيضاً لرجال الشرق حصة، ولو رمزية!