عندما كتب عباس بيضون (1945) روايته الأولى، كان الجميع بانتظارها. سرعان ما صارت الرواية شِعراً. وصرنا نشتاق إلى الشِعر، ونحبّ الرواية في صورتها الجديدة. ورغم ذلك، لم يكن من الممكن اتخاذ أي موقف ضدّ البوح وضدّ السرد الذي أنجزه بيضون، فقد كان محكماً ورقيقاً على نحوٍ لا يمكن الإفلات منه.


لكن الجميع كان ينتظر عودة الشاعِر إلى معركته وإلى انسحاباته. الآن، وبعد صدور ديوانه الجديد «ميتافيزيق الثعلب» (دار الساقي ــ 2017)، يحق لنا الافتراض أن رواياته لم تكن سوى إحدى ألعابه الشِعرية. أفخاخ ينصبها لنا ولنفسهِ لكي نشتاق إلى الشِعر، أو ربما لكي ينتقم من الشِعر. يقودنا إلى الفخ بنفسه، ويشير إلينا بإصبعه إلى مكانه، ورغم ذلك نقع. لا يمكننا أن نفترض شيئاً ويمكننا أن نفترض كل شيء. أخيراً، غادر عباس بيضون ذاكرته، وأخيراً عاد إلى ذاكرته. عاد إلى الشِعر وإلى بيته، كما جاء إليه أول مرة. في الأصل، لم يكن الشِعر خياره الأول، تعثر فوصل إليه، وأقام فيه. هذه المرة عاد متأنياً، بخطواتٍ ترنو إلى الوثب، بخطواتٍ يصعب اللحاق بها: «منتصف الشهر ثقب/ أصل إليه من ثقب آخر/ أنظر إلى حيث كنت/ فلا أرى إلّا العشب/ أمضغ بدون قابليّة/ صباحات ناشفة/ وأيّاماً متساوية متثائبة في الظلَ». لا نعرف لماذا عاد، ولكننا نعرف أنه يجبرنا على أن نبتعه إلى آخر صفحةٍ في الطريق.
يكتب عباس بيضون بتأنٍ شديد، يكتب قصائد بمخالب طرية. تستغرق الأفكار وقتاً في النضوج، لكن تسلسلها وظهورها يكون فاتناً، على المقاس تماماً. لا يمكننا أن نعرف بالضبط كيف يأخذ الشاعِر مقاساته، وكيف يُلبسنا القصائد بخِفة وحنكة، ولكن الغارق في «ميتافيزيق الثعلب» ينتبه فجأة إلى أنه ضائع بين انفعالاته نفسه وبين انفعالات الثعلب. ينتبه إلى أنه يقفز من رداء إلى رداء، لا من قصيدة إلى أخرى. وهذه سِمة بيضون في الشِعر، وربما ما يميّز قصائده عن سرده الروائي. الخِفة والمخالب. الحيلة التي يفقدها في الرواية بطبية خاطر، يرفض التخلي عنها في الشِعر: «السبعون/ يمكن أن أدّعي أنّي لست حيّاً ولا موجوداً/ قد أجبرهم تماماً/ فيضطرون إلى إهمالي/ ونسياني/ وسط الحياة». ما يميّز هذه القصائد هو قدرتها السجالية الفائضة. السجال بين الماروائيات وبين «وسط الحياة». بين «السبعون» وبين الثعلب بعينيه اليافعتين أبداً.


فائض من الألم يميّز
الديوان الجديد


في «ميتافيزيق الثعلب»، يعود عباس بيضون إلى لعبته المفضلة. يحبّ أن يتشبه بالزمن ويتنصل منه في النهاية بعد إيحاء طويل بالاستسلام. يحبّ عباس بيضون أن ينتصر، ولكنه إلى جانب المهزومين دائماً عندما يكون الاستقطاب حاداً. في «شجرة تُشبِه حطاباً» كان مقامراً، لا يثق بالحياة أكثر من ثقته بنفسهِ: الحياة تجارة خاسرة، الحياة سريعة، و«الأفضل أن لا ننتظر». في «الموت يأخذ مقاساتنا»، كان أكثر أملاً، وأقل حيلةً: «في رأسي عصافير لا تتوقف عن الزقزقة». صحيح أنه يُنفق من تعبهِ على القصائد، لكن غالباً ما يخرج قارئه بهذه الخلاصة: الأمل والحيلة نقيضان. الأمل استسلام. الحيلة تقتضي الإنكار، أو الاعتراف، ولا فرق. سيان عند عباس بيضون. في حربِه، وفي سِلمه، في الحياة، وفي ما بعدها، الشِعر هو الشِعر. الشِعر هو المخالب والنجاة. هو الهجوم على طريدةٍ اسمها العالم، والانسحاب من مفترسٍ هو الحياة. في «ميتافيزيق الثعلب»، يعود إلى الدفاع عن نفسه بالهروب. يهرب، لكي يهاجم، كالثعلب تماماً: «أحمل سقفاً معي/ وليست معي عاصفة ملائمة/ لذا أجد نفسي خارج الخيمة/ في السماء التي هي ميدان/ وهي أيضاً مقبرة».
هكذا يحمل عباس بيضون معه أيامه، وعلينا أن نتبعه على رؤوس أصابعنا، خشية أن تقع عليه، وعلينا. سيان. لا فرق عند عباس بيضون، الذي يميّز نفسه، والذي ينتمي إلينا، ويطالبنا بالانتماء إليه، ثم ينسحب بخِفة، إلى أماكن لا نعرف عنها شيئاً، إلا السماء. ينسحب حاملاً أيامه التي يتظلل بها، أو يتحول هو نفسه إلى ظلٍ لها، إلى ثعلب، خرجت منه العاصفة وتشردت. يتظلل السماء ويحملها مع أيامهِ، ثم يضع كل شيء على الطاولة، في المقبرة، ويضع قارئه أمام خشيتين. خشية الاعتراف، وخشية الإنكار. يعاود اللعب: «أحمل سقفاً معي/ أجرّه من سماء إلى سماء/ إنها بلاد ككلّ البلاد/ مع ذلك لا أجد حصيراً/ أرقد فوقه/ ولا حجراً/ أريح رأسي عليه». لقد ضلّ طريقه، أصبح غريباً، وهي غربة يستعيدها بيضون كلما أوشكت على السقوط من يديه. غربته هي السقف الذي يحمله، في مدنهِ السابقة شِعراً وروحاً. يمشي الغريب ولا يصل. رأسه أمامه، وقلبه يتدلى أمام العالم. لا مكان يضع رأسه عليه، حتى يجد حلاً لهذا التعب. حل كامل وعدائي في طبيعته: «هكذا نستعمر السماء بألمنا/ بينما لا نجد كوخاً على الأرض».
فائض من الألم يميّز الديوان الأخير، وإن كان الألم ليس دخيلاً على قصائد عباس بيضون: «أعمّر رأسي/ على عظام مستديرة/ أرى نفسي مشنوقاً من سترتي/ رأسي منصوب على قاعدته/ شيئ كالحظ السيّئ يتسلّق عليّ/ إنّها ساعة ينجرّ فيها الألم/ من فقرة إلى فقرة/ كزيت ساخن/ أو دم فاسد/ كنيّة طائشة/ تمكسني من خناقي». خلال عقود في الشِعر، نحت شكلاً خاصاً به، يقوم على مزجٍ محكم بين الألم والغربة. بين الألم الحقيقي الذي يعبّر عنه بمفردات القسوة، كاستحضار العظام والشنق والدم الفاسد، وبين الألم المعنوي الذي يرويه على لسان كتابٍ يموت وحيداً على مكتبة. ما يمكننا أن نفهمه من العنوان، يتخلى عنه الشاعِر في القصائد. الألم هو الحاضر، الألم ليس ما ورائياً، ولا يمكنه أن يكون كذلك. وتلك لعبة من ألعابهِ. لا يسعنا سوى التصديق، ولا يسعنا سوى الرفض. خلال عقود نحت عباس بيضون كائناته الشِعرية الغريبة التي يمزج فيها الألم بالحب، والحياة بما بعدها. لطالما كانت ميزة قصائده حين تقطع من شجرتها، أنها تبدو دائماً كأنها قصائد البدايات، وقصائد النهايات. إنها أول القصائد، وإنها آخرها. ولا فرق. سيان عند عباس بيضون: «وداعاً أيها الصداقات، الحياة تبدأ بعدنا».