باريس | يصطفل خالد تكريتي (1964). لوحاته طبقات من العواطف المخبوءة... ماذا يتخيل بالضبط؟ أنني مُخبِر يتبعه، فيتعبني بنزهات طويلة من دون اتجاه، وفي النهاية ومن طول الطرق التي نمشي فيها معاً سنصبح صديقين؟ ماذا يريدني أن أفهم؟ أنّ الفن لا يزال يمتلك القدرة على التغيير الاجتماعي؟ على تغيير ما هو أحادي؟ تخرج من «غاليري كلود ليمان» في باريس، وأنت غاضب من شيء ما. ربما لأنك قرأت عنوان «لاجئون»، ولمحتَ الطفل إيلان طافياً على الشاطئ مرة أخرى. في طريق العودة، تضع سماعات الآيفون وتستمع إلى «يا نور عينيا رحنا ضحية الحركة الثورية»، لكنك تعود في الغد. تزاحم عجوزاً يضع نظارات سميكة تشبه عدساتُها قعر الكوب، لتقترب أكثر من اللوحات. حسناً لعل الفنان الحقيقي كائن ملتزم، يخلق جماليته الخاصة وسط هذه التعقيدات السياسية التي تنمو مثل شجرة ملعونة بغصون متفرعة. غياب أو ضآلة حضور الهوية المحلية، هو ما اعتدناه في لوحة تكريتي التي لا تخفي تأثراتها (التعبيرية الواقعية، فنّ البوب، السطوح الهندسية، الملمس الصيني، آندي وارهول، ألكس كاتز...) لكننا نجد أنفسنا هذه المرة أمام أعمال لا تدين بالولاء لأيّ من تلك المرجعيات. ثمة ملمح خاص يضبط اللعبة: الحرب.

التشكيلي السوري ينطلق من عنوان عريض «النساء والحرب»، ليفتّته ويبحث في بنيته عن الإنساني واليومي بأسلوب غرافيكي قوي. يحفر في اللوحة كما هي القصص محفورة في الذاكرة. نتوقف عند نساء موشّحات بالسواد، في مأمن لكنهن عاجزات، وجوههن كامدة يخفيها أحياناً وشاح شفاف، كأنها تغور على مهل في بركة داكنة من برك الغابات. نتذكر قصيدة لإيتل عدنان: «أوراق الزيزفون ترتعش مثل/ فتاة مضروبة، وأغصانها تجفل/ مثل حصان/ هَبُوني -في ظلال الليل- هذه الاخضرارات/ الحنونة المتنوعة فأعدكم بسجّادة/ أندلسية لا مثيل لها».


ملمح خاص يضبط اللعبة:
إنّها الحرب


خالد تكريتي لا يعدنا بشيء. علينا أن نتلمّس الإيماءة السريّة، النغمة، النسيج الواهي الذي يربط بين الماضي والحاضر. مجموعته أشبه بعلامات تحدد الطريق، ولا بدّ من مجابهة البقجة التقليدية التي صارت أيقونة الهجرات، وقد اختار الفنان القماش الحموي التقليدي المطبوع باليد لرسمها. مثل فيلاسكيز، بتحرقه لإظهار الحياة داخل فنه، يلمّح إلى الموت خارجه.
فيلاسكيز كان فرحاً بانتصارات هرميس، فمن أعظم لوحاته «هرميس وآرغوس». كان آرغوس سماء الليل وهو الذي يحرس بقرة القمر «إيو» بعيونه الألف كلها. أما هرميس، فكان إله التجار واللصوص والمسافرين والعلماء ومعدنه الزئبق. كان يصنع المرايا والعقاقير وذهب الكيمياء، فراح هرميس يعزف ألحاناً لآرغوس إلى أن أغمض كل عين من عيونه الألف، وعندها قتله وأطلق سراح إيو.
عينا الرسّام ظليلتان، ثقيلتان، تبحثان... أين ذهبت تلك التفاصيل المرحة في لوحات مثل «أوتو ستوب» و«النزهة» و«لصوص النجوم»؟ نرغب في الابتعاد عن الأكريليك والحبر الصيني الذي يغشى كل شيء، لكن خالد تكريتي في حداد، يريد أن يدعونا إلى رقصة في الظلام ويسألنا: كيف حدث ذلك؟ فنجيبه: كيف حدث ذلك؟

* «النساء والحرب» لخالد تكريتي: حتى 18 شباط (فبراير) ــــ «غاليري كلود ليمان»، باريس www.claude-lemand.com