لم يسبق لامرأة عربية أن وقفت على المسرح، وهي حامل بشهرها السادس، تكبّ خليط مشاعر الأمومة مع تجربتها الشخصية في الحياة، في إطار تمثيلي من الكوميديا السوداء.


على خشبة «مترو المدينة»، تقف ندى أبو فرحات، لتقدم عرض «حبلى En Cinq» (نص وإخراج غبريال يمين) الذي لا يبتعد في خطوطه العريضة عن حياتها، وفي تفاصيله عن حياة أي امرأة شرقية، تعيش صراعات عدّة منذ خروجها الى هذه الحياة. صراعات تبدأ بمسار حياتها، الذي ترسمه غالباً بيئتها المحيطة، من العائلة النواتية الى المدرسة، فالجامعة والمؤسسة الدينية.
«كلير» هي تلك المرأة التي تجسدها أبو فرحات. امرأة في نهاية الثلاثين، عاشت في عائلة ذات ذهنية تقليدية رجعية. بـ«فلاش باك» (بين تمثيل وسرد)، تسترجع كلير هذه البيئة التي تربت فيها، وعانت ما عانته لتصل الى حملها اليوم. منذ بداية العرض، تشتد الحبكة مع سرد هذا الصراع التي تعيشه هذه المرأة، الى حدّ التفكير بعدم السماح لمولودتها، بالخروج الى هذه الحياة، كي تتجنّب كل ما عاشته الأم... كي تحميها من كل هذا التلوّث الفكري، الذي يسود حياتها، الى أن تقرر في النهاية تحدي الظروف، ودفش ابنتها الى النور، مع صعوبة نجاح الأخيرة في تخطي كل حواجز المجتمع.


نص غبريال يمين
يحكي مأساة المرأة التي تثقل بأغلال سلطة الأهل، والمحيط، والدين، وأيضاً البيولوجيا

نص غبريال يمين سلس ومباشر ونابض، أدّته ببراعة نجمة «حكي نسوان»، الى جانب الممثلين زينب عسّاف (دور الأم)، وأسامة العلي، وجويس أبو جودة. نص يتأرجح بين الكوميديا الصارخة في الحوارات، والوجع والتراجيديا في مونولوجات ندى أبو فرحات. وما بين المشهدين المتناقضين، تسير «حبلى En Cinq»، خالقة تفاعلاً عالياً بينها وبين الجمهور. يخرج الحوار المسرحي، الكثير من القصص والمواقف ويدق العديد من الأبواب التي تدور خلفها الأحاديث الحميمة أو الخاصة.
تبذل أبو فرحات وفريق العمل جهداً، لتجسيد الوضع الإنساني والاجتماعي للمرأة في بلادنا. وضع يحاصرها منذ الصغر، حين تثقل بأغلال سلطة الأهل، والمحيط، والدين، وأيضاً البيولوجيا. امرأة لا يحق لها الاختيار، مجبرة على الزواج والإنجاب ولو متأخرة بالعرف الاجتماعي. وعندما تقرر اللجوء الى الحمل الاصطناعي لأنها فشلت مع زوجها في الحصول على حمل «طبيعي»، فإن معاناة جديدة ترتسم، لنضحي أمام واقع مألوف آخر: جنس المولود، و«المصيبة» إذا كانت فتاة!
ضمن ساعة ونصف الساعة، وعلى إيقاع سلس، ننتقل من مشهد الى آخر، تبعاً لتواتر الأحداث، وبين ضحكات عالية يسرقها هذا العمل من جمهوره، واسترجاع لألم شعرت به كل امرأة في هذا الشرق. نتعرف إلى أهل كلير، بدءاً من الأم المسترجلة المسيطرة القمعية (زينب عساف)، والأب المغلوب على أمره (أسامة العلي)، مروراً بالمدرسة، وفترة البلوغ، والصداقة الهشة (جويس أبو جودة)، والرضوخ للأمر الواقع في الجلوس مع «العرسان» للاختيار (أدّى أسامة العلي كل الأدوار، إضافة الى دور الزوج)، وصولاً الى الحمل مع الاختيار العبثي للزوج «كي لا يفوت القطار». يرسم يمّين خريطة حياة كل امرأة ويخرج صراعاتها الداخلية، ومع المحيط الى العلن، بمفرداته الواقعية التي تدور اجتماعياً حول باب «التابو». يدخل الى عوالمها، ليجزئها، وتعيد جمعها أبو فرحات بأداء عال، يجمع ندى الإنسانة، بالممثلة المحترفة... وجهان لا يختلفان كثيراً. أما السينوغرافيا، فأتت متقشفة وبسيطة، اقتصرت على شاشتيّ عرض في الخلفية، امتزجتا بالسير الدرامي للمشهدية على المسرح. على الشاشتين، شاهدنا شريط العرس بداية، وبعدها تتالت وظيفتهما، عبر ظهور القس عليهما وتبادله الحديث مع أبو فرحات. بعدها، استعرضت البطلة مجموعة من الرجال تحلم بهم كل فتاة. الى جانب الشاشتين، شكّلت مجموعة مربعات صغيرة حيثية المكان، المتنقل بين مشهديات وأدوار عدة أيضاً. وفي وقت بقيت فيه العناصر «الديكورية» نفسها، انتقل بالسرد الدرامي والأحداث عبر الأزياء، وبالتالي تغيّر الشخصيات، التي تتالت بحركة ديناميكية سهلة، كما لعبت الإضاءة الدور الحاسم في هذا النقل السردي.
تخفت الأضواء في نهاية العرض، ليضيء على بطن أبو فرحات المكشوف. وكما فعلت في البداية، تخاطب مجدداً مولودتها المنتظرة. لا شك في أنّها لحظة عالية التأثير عليها وعلى من يشاهد هذا العمل. تقول لابنتها: «إذا ما أنا عشت إنت عيشي». وتسألها: «هالقد مستعجلة؟» (للخروج الى الحياة)، وتحسم لها: «بكير تحني وتوطي رأسك للناس» في تكريس لعجز كل امرأة شرقية عن أن تعيش وتختار، أن تتزوج أو تعزف عن الزواج، أن تنتقي شريكها لا أن يفرض عليها، أو «تستلحق» نفسها به، قبل «فوات الأوان»... أن تكون نفسها من دون قيود اجتماعية ولا دينية، ربما لم يحن وقت هذه اللحظة بعد!

* «حبلى En Cinq» لندى أبو فرحات: 4 و5 و6 آذار _(مارس) ـــــ «مترو المدينة» (الحمرا) ـــ للاستعلام: 76/309363