صادف موعد لقائنا بماهر أبي سمرا، بعد عرض خاص لفيلم «مخدومين» بحضور عمّال أجانب من أفريقيا وآسيا. تلى ذلك نقاش، كان بمثابة مشاركة العمّال لقصص وشهادات من تجاربهم في لبنان، عاتبين على العنصرية والفوقية التي يواجهونها، ليس مع أرباب عملهم فحسب، بل أيضاً مع دولهم وسفاراتهم الغائبة عن معاناتهم وتحصيل حقوقهم.


بالطبع، لم يكتف هؤلاء العمّال المصنفون «خدماً» في مجتمعنا، بما شاهدوه في «مخدومين». شكروا ماهر أبي سمرا وفريق عمله، على تناوله هذا الموضوع، لكنّهم أكّدوا للحضور، أن الواقع أبشع بكثير والألم أكبر. مواطنة من أثيوبيا ساعدت ماهر وفريق عمله خلال إنتاج الفيلم، تقول: «أنا دخلت هذه الغرفة الصغيرة (مكتب المعاملات حيث تنتظر العاملات أياماً الكفيل الذي سيوظفها في منزله) وتألّمت. هناك أكثر من ثلاثين امرأة، في غرفة صغيرة كأنها زنزانة، لا تستطيع العاملات النوم براحة ولا الأكل جيداً». وأضافت عاملة أخرى من أثيوبيا: «بلادنا غنيّة، نحن محرومون من خيراتها، يأتي الغرباء، يسرقون الماس والذهب والخيرات، يعيشون ملوكاً في بلادنا، ونحن أولاد البلد نرمي أنفسنا في الخارج من أجل لقمة عيشنا». بحرقة وبدموع تتوالى الشهادات والمشاركات: كلام عن الضرب والمعاملة السيئة وسوء التغذية، وبلغة عربية طليقة، قد تكون أفضل من تلك التي يتكلمها مستخدموهم. إحدى العاملات من آسيا تشبّه ما يجري في لبنان بسياسة الفصل العنصري. استعملت مفردات قاسية «نحن كالعبيد... كالبضاعة التي تأتي من الصين».
شبّان من السودان ذكّروا الحضور أنّ «اللبناني يعمل بحرية في السودان، لا تطالبه الدولة بتجديد الإقامة، ولا يجرؤ أحدهم على معاملته بسوء. لكننا في لبنان نُعامل كأننا لا نساوي شيئاً». ويذكّر أحدهم اللبنانيين، أنهم أيضاً هاجروا من لبنان لأنهم لم يجدوا فرصة عمل جيدة. الجميع هاجم بلادهم ودولهم أيضاً، والمكاتب التي تأتي بهم. إحدى المشاركات في النقاش، قالت إنّ سفارة بلدها في السودان مشاركة في هذه المؤامرة ومستفيدة من عملية بيع وشراء البشر. مشاركة من أثيوبيا عرضت جانباً خطيراً آخر. قالت إنّ العديد من الأشخاص اختفوا بعد خروجهم من أثيوبيا: «لا ندري عنهم أو عن مكان تواجدهم شيئاً، وأهلنا يبحثون عنهم من دون جدوى حتى الآن». وأضافت شهادات مليئة بحرقة قلب، قصصاً عن سوء المعاملة والعنصرية في لبنان. بحسرة ودموع، تقول إحداهنّ: «تخيلوا أنّ البعض لا يزال يمنّ علينا حين يحدثنا عن منحنا الطعام»، رافضةً أن تخرج الخادمة من صورة العائلة كما تقول إحدى السيدات في شريط «مخدومين». تضيف: «بالعكس أنا أشعر بوجع الأطفال أكثر من والدتهم، أعرف ما يريدون ومما يشكون». تتوجه الى ربة المنزل قائلةً «أنا أربي أولادك، نحن نربي أجيالاً في هذا البلد».
في ردّ مقتضب من ماهر، شرح وجهة نظره لسبب عدم تسليطه الضوء الكثيف على مشاهد أو شهادات قاسية من معاناتهم. قال إنّ تصوير شخص يتطلب استئذانه هو. لكن في حالة العمّال والعاملات، يستأذن ربّ عملهم، وهذا ما يرفضه. وأضاف أنّ الموضوع هو إلقاء نظرة على هذه الظاهرة التي تريد أن تخفي صورة أشخاصا يلعبون دوراً مهماً في حياتنا، لا نريد رؤيته. يقول: «ننفي وجود العاملة ونحولها الى شيء كي لا نشهر بوجودها». بهذا المعنى، الجميع و«نحن منهم متواطئون». وأكد أنّ الموضوع ليس المطالبة بـ «المعاملة الحسنة»، بل هي نوع آخر من السلطة، «سلطة الابتسامة بدلاً من سلطة الضرب».