الرباط | ماذا عن القصة القصيرة في مغرب اليوم؟ هل يستمر هذا الجنس في الحضور على مستوى التداول والإعلام والمتابعة النقدية مع الحضور الطاغي الآن للرواية؟ هل يمكن القول إن زمن القصة القصيرة قد انتهى بعدما كانت ديوان المغاربة خلال العقود الماضية؟ فقد كان هذا الجنس الأدبي أقوى حضوراً في الماضي القريب، بالنظر إلى عدد الأنشطة الثقافية التي كانت تقام من أجلها، وعدد كتّابها وحجم الإطارات التي اشتغلت عليها نقداً وإبداعاً وتداولاً وتنشيطاً. يرى القاص والروائي أنيس الرافعي أنّ كتابة القصة القصيرة اختيار نابع من قناعات وجودية وفلسفية وجمالية معينة، ذات ارتباط وطيد برؤية المبدع إلى العالم، وموقفه من المؤسسة، وتصوره للتاريخ، ورغبته في التعبير عن الجماعة البشرية التي ينتمي إليها.


وعن حظ القصة بين الأجناس الأدبية الأخرى، يقول الرافعي: «صحيح أنّ هذا الفن النبيل خسر خلال العقود الأخيرة مساحات شاسعة في أراضي التلقي والاهتمام الإعلامي وإقبال دور النشر، لكنه لم يعدم مخلصين وأوفياء لعقيدته، سواء من الروّاد أم من الأجيال الجديدة، أجادوا فيه وتركوا بصمات شاخصة لا يمكن إنكارها على معماره وتقنياته ومتخيله. لكن المتتبع الحصيف للمشهد القصصي العالمي، سيلمس بأن هذا الجنس الأدبي صاحب يقين مراوغ، وما فتئ يطوّر من أدواته وانفتاحاته التخومية على سجلات تعبيرية مختلفة، فالاطلاع على الأنطولوجيات القصصية التي صدرت خلال السنوات القليلة الماضية في أميركا واليابان وفرنسا وأميركا اللاتينية، يؤكد بأن مفهوم الأزمة، الذي نعيشه في الراهن العربي، لا وجود له في مرجعيات أخرى قصية عنّا».


تسلطنت الرواية لأنها القادرة على استيعاب تفاصيل المدينة وملابسات خيبات الراهن


يستطرد صاحب «الشركة المغربية لنقل الأموات»: «الصراع المزعوم بين القصة القصيرة والرواية بوصفها جنساً حاجباً أو قامعاً، هي إنتاج عربي خالص، مرده التهافت غير الصحي الذي خلفته جوائز الرواية».
إن مستقبل طفلة الأدب المشاغبة ـــ كما يسميها الرافعي ـــ غير مرتبط باستحداث جائزة كبرى أو أكثر مخصصة لهذا الفن، بل بمعطيات سوسيولوجيا القراءة، وابتداع طرائق مستحدثة لتوسيع مقروئية القصة القصيرة بشكل غير تقليدي.
يبدو لأنيس أنّ قراءة قصة قصيرة على منبر أو بين دفتي أضمومة لم يعد كافياً. لا مناص من جعل القصة القصيرة نسيجاً مركباً، وتفاعلها مع وسائط جديدة كفيلة بإرجاع الوضع الاعتباري والنضارة لهذا الفن مكسور الخاطر الذي دخل إلى مرحلة الشحوب.
يخلص مؤلف «اعتقال الغابة في زجاجة» إلى أنّ «زمن القصة القصيرة لن ينتهي وغير قابل للاستنفاد بتاتاً، لأنّ صعود أو اندحار الأجناس الأدبية غير مرتهن لمعطيات براغماتية خارجية مرتبطة بالتسليع أو التسويق أو درجة الإقبال في مرحلة زمنية معينة، بقدر ما هو مرتبط بكينونة هذا الجنس الأدبي ذاته وقوانينه الداخلية التي قد تفقد شرط وجودها التاريخي. أحسب أنّ أمراً من هذا القبيل بعيد عن الفن القصصي، الذي يعيش الآن في ظلال الورقة الساقطة من شجرة السرد الكبرى، أو يرقد مثل البراكين الخامدة. لكن من يدري؟ فقد تستيقظ حممه الباطنية في أية لحظة».
في السياق ذاته، يؤكد الباحث والكاتب المغربي جمال بوطيب أنّ الزعم بأن زمن القصة القصيرة قد انتهى أمر فيه كثير من المجازفة، كما فيه «غير قليل من الوعي النقدي، فالتباسها واستعصاؤها الدائم عن قبضة الممسكين الطامعين في تحديد صنافات ضابطة، قد جعلها تندس في ثوب إبداعي لا يدرك إلا بعد مرور الزمن، لأن المتحدث عن زمن القصة أو زمن الرواية أو زمن الإبداع بصفة عامة ينبغي له أن يكون هو داخل الزمن، أن يحيى الزمن بمفهومه الإبستيمي، لا بمفهومه الحسابي».
يؤكد مؤلف «الجسد السردي» أنّ القصة القصيرة تستمر في الحضور، وما يقلل تداولها هو أشكال الاعتداء التي تتعرض لها ككل أجناس الأدب من الذين يستسهلون كتابتها، أو يعتبرونها مركب عبور نحو جنس قد يكون في نظرهم القاصر هو الأصعب. كل تراجع محتمل في تداول القصة القصيرة – حسب بوطيب- يتحكم فيه معطيان: معطى داخلي، مرده إلى سوء إدراك وتمثل للجنس، ومعطى خارجي يتجلى في كون القصة القصيرة لم تفكر لنفسها، ولا فكر لها أهلها يوماً في الانتصار على أجناس مجاورة، فصاروا يجتهدون في التشهير بها ولها، أو اجتهدوا في أن يخلقوا لها مبررات نجاح سواء أكانت جوائز أو مقترحات أكاديمية أو ثقافية، أو استجلاب أو استنبات أسماء كتابية وافدة من حقول معرفية أخرى، والسبب دائماً هو هذا الفهم المغلوط لزمنية الإبداع.
يعتقد جمال بوطيب بأنّ القصة القصيرة اليوم قد «انتبهت إلى معطيات اللاتراجع، وصارت تفكر في آليات التنافس المتداولة. وبالتالي، فإن هذا الوعي الجديد متمثلاً في المقترحات الواصفة لأشكال الحضور المتجددة، سيجعل القصة داخل حلبة التنافس التي خلقتها الموضات الثقافية، مع امتياز خاص بها كونها تعيش أزمنتها الإبستيمية، عبر رؤى ومرجعيات يحتاج نقدنا العربي إلى أن يراجع كثيراً من أحكامه لإدراكها».
يبدو للقاص المصطفى كليتي أنّ القصة القصيرة قد يطالها تهميش أو تراجع. ومع ذلك تصمد رغم التحديات، لكي تعود أكثر إضاءة وحضوراً. يُرجع كليتي وضعية هذا الجنس الأدبي اليوم إلى تقهقر الصحافة الورقية، التي كانت منذ البدء حاضنة لهذا الفن العسير المنفلت وكذلك المجلات الأدبية المتخصصة.
يضيف صاحب «تفاحة يانعة وسكين صدئة»: «نسبياً، تراجَع الحضور الشعري والقصصي، وتسلطنت الرواية لأنها القادرة على استيعاب تفاصيل المدينة وملابسات خيبات واقعنا المر. الأجناس الأدبية لا تموت، بل قد تضاف إليها أجناس أخرى تتشكل وفق شروط وبدائل مغايرة، كما هو واقع النص الترابطي الذي يتماشى مع إيقاع الوسائط الاجتماعية التي أمست أداة للتعبير والتفاعل في آن واحد». فالقصة القصيرة حسب مصطفى كليتي لا تلقى الاهتمام الأكاديمي والنقدي المواكِب المطلوب، لكن العوض باللقاءات والمهرجانات التي تُنظّم هنا وهناك، مع حفلات التوقيع الموازية، مما يجعلها حاضرة رغم الإحباطات في المشهد الأدبي المغربي.
في المجمل، ثمة تضييق حقيقي تمارسه الحفاوة الكبيرة بالرواية على جنس القصة. لقد أصبحت الجوائز والاهتمامات النقدية والأكاديمية تسرق الكتّاب من القصة وتحولهم صوب الرواية، والخوف كلّ الخوف أن تصبح جوائز الخليج موجّهاً لخارطة الإبداع الأدبي في مختلف أطراف الوطن العربي ومراكزه.