تستنطق خلود ياسين (1979) جسد السلطة حركياً في عرضها الراقص الجديد «أبطال» الذي ينطلق مساء اليوم على «مسرح المدينة» (الحمرا ــ بيروت)، ويستمر حتى 26 شباط (فبراير). تبدو السلطة تعبيراً فيزيائياً ومادياً بحتاً، حيث الشعور بالقوّة يبلغ ذروته في التعبير الجسدي، ويكاد يتجاوز حدوده وقدراته الماديّة، نحو التحكم بالأجساد الأخرى التي تردّ وتتفاعل بدورها عبر تعبير حركي آخر.


ليس هناك تحديد واضح لجسد السلطة، لكن هذه العلاقة الإشكالية شغلت الراقصة والكوريغراف اللبنانية وبحثها الجسدي الذي استند أساساً إلى الموادّ البصرية؛ والفيديو والفوتوغرافيا، وتحديداً المثالية التي يلفّ فيها الإعلام الجماهيري حضور السياسيين والفنانين والرياضيين وعارضي الأزياء ومغني البوب.
غابت الثيمة عن عروض خلود السابقة، لمصلحة حركة الجسد المستقلة والناضجة بذاتها. في عرضها «في ليلة من آذار» (2007)، قدّمت مقطوعة جسدية تتداخل مع إيقاعات شقيقها الموسيقي خالد ياسين، التي شكّلت عنصراً أساسياً لا يقلّ أهمية عن الحضور الجسدي. أما Entre Temps بجزءَيه الأوّل (2009) والثاني (2012)، فقد جسّدت فيه العلاقة بين الحركة والإيقاع والزمن ضمن قالب كوريغرافي خالٍ من السرد الدرامي.


تقدّم نماذج قصوى
مثل أجساد هتلر وموسوليني وبيونسيه ومارلين مونرو وقاتل السفير الروسي في تركيا

الليلة، تعود ياسين بعمل ليس بعيداً عن الزمن، رغم أنه لا يخضع له. لا ينفصل عرض «أبطال» عن الزمن الذي أتاح لنا مشاهدة سقوط النصب والديكتاتوريات ورموزها على الشاشات. تنقّب خلود عن تجليات السلطة في نماذج حقيقية قصوى مثل أجساد هتلر وموسوليني وبيونسيه ومارلين مونرو ومايكل جاكسون ومحمد علي كلاي وقاتل السفير الروسي في تركيا. مع ذلك، فإنها تسعى أولاً إلى فهم هذه السلطوية وجذورها الحركية والجسدية بصورة أوسع معزولة عن هوياتها الفردية. تشرّح ياسين هذه اللحظات المتخمة بالقوّة والكمال، ثم تعيد، من خلالها، بناء سلطتها الخاصة في عرض تؤديه منفردة على المسرح (سولو). تنوي ياسين استكمال بحثها مع راقص آخر (ديو على المسرح)، ثمّ مع مجموعة راقصين في عروض لاحقة.
بالتوازي مع حضور الجسد السلطوي وهالاته في الإعلام، وفي النصب، وفي الحفلات، يبدو البحث الجسدي عند ياسين مفتوحاً، ومتواصلاً. في «أبطال»، تعيد موضعة هذه القوة في الجسد وحده، عبر انتزاعه من تأطيرات الميديا والفوتوغرافيا والدعاية السياسية. ترجع السلطة إلى مفرداتها الحركية الأولى، إلى إيماءاتها، وجسمانيتها، وتعبيرات الوجه والأصابع. يراوح العرض بين مستويين أساسيين: اختبار الجذور الجسمانية للسلطة عبر جسد الراقص/ المتلقي، ثم اختبار تفاعلها مع الجمهور في عرض حيّ. يطاول العرض جوانب التأثير والتأثر. تتخذ هذه العلاقة بين جسد السلطة وجسد المتلقي، هامشاً واسعاً من بحثها في طبقات الجسد السلطوي وحدوده، وتفاعل تلك الأجساد معه. ترى خلود أنَّ أجسادنا خاضعة دائماً لسلطات مركّبة عدّة، وهذا ما دفعها كراقصة ومصممة إلى الإيغال فيها. نحن أمام سلطة جسدية بحت، أنثوية وذكرية. تصبح هذه الأجساد كتلة واحدة تتخطّى الحدود الجندرية والاختلافات الأخرى. تعمل خلود على ربط حركات هذه الأجساد المختلفة، عبر اقتراح وصلات وامتدادات مستمدّة من القوّة الفائضة المشتركة بينها. تتسرّب الحركة بقوّتها وجبروتها إلى الجزء العلوي، عبر زخم يمتدّ دفعة واحدة إلى الرقبة والرأس واليدين والخصر والأكتاف. تقبض على لغة الجسد في ذروة الاكتمال والجمال. تنتج جسداً كاملاً متحركاً لنحو 40 دقيقة بجبروته وصراعاته وتخبطاته وانهياراته. هذه الدورة المحتمة تجرّ عرض ياسين بأكمله. تخضع الدراماتورجيا للتحليق ثم السقوط. في مشاهد من العرض، تجسّد خلود تلك القوّة التي تبقى عالقة بين الوجود والتلاشي عبر الانفصال من الحوض، بين اليدين والقدمين، والخصر والأرداف. تخلق جسد كائن هجين، ترفض أطرافه الاستسلام، بينما تتصدر وجهه ابتسامة زائفة ومصرّة. كل هذه الرؤية تحويها سينوغرافيا العرض والإضاءة (فادي يني تورك) المستوحاة من ارتفاع الأنصاب، والعلاقة بين الراقصة والجمهور، وبين الراقصة وجسدها، التي ترافقها، بشكل موازٍ، الإيقاعات الإلكترونية لشقيقها خالد ياسين. هكذا تفكك خلود هذه المفردات الحركية والإيماءات التي تؤطّر أجسادنا طوال الوقت لتعيد تقديمها بحركات مكثفة ومستقلّة على الخشبة.

* «أبطال» لخلود ياسين: 20:30 مساء 24 و25 و26 شباط (فبراير) ــ «مسرح المدينة» (الحمرا ــ بيروت). للاستعلام: 01/753011