يتميز «مترو المدينة» بطريقة تكريم وجوه زمن الموسيقى الجميل. المسرح لا يقدم فرقة موسيقية تستعيد الأغاني بتوزيع مختلف فقط، بل يدعو الحضور إلى الاستماع أيضاً الى قصص المطربة أو المطرب، المؤلفة أو المؤلف، والدخول الى عالم الشخصية، الى تلك القصص الصغيرة والحميمة التي أسهمت في صنع سيرة الفنان أو مؤلفاته.


لم تقتصر أعمال سيّد درويش (1892 -1923) على الأغنيات الشعبية الوطنية أو الرومانسية. هذه الشخصيّة التي تملك وجهاً آخر، لا يُحبّذ الحديث عنه في بلادنا... درويش الذي كتب مرةً رسالة إلى نجيب ريحاني في عيد ميلاده، يقول: «رسالة من ميّت الى أموات».
المحروسة أيضاً، لديها أكثر من وجه. ليل مصر، عالم الحانات والكؤوس والمخدرات وبائعات الهوى، مدينة تشعّ منها طاقة مختلفة، زاخمة. ودرويش الفنان الوطني الملتزم قضايا الشعب والطبقة الكادحة، ابن هذا العالم أيضاً. هو ابن الليل الذي ألّف وغنّى أيضاً، لحن «الحشاشين، الكوكايين»…هو الحزين في «زوروني كل سنة مرة»، والعاشق في دور «انا هويت وانتهيت». من هذا العالم، يخرج «عين الشيطان» عرض هشام جابر الذي قدّمه ضمن «مهرجان مسرح المدينة» في عيده العشرين. (الأخبار 8/10/2016).
لا يبحث جابر في هذا الجانب من درويش فحسب، بل في مفهوم الشيطان في ثقافتنا الشرقية، المحظور، الحرام، الشرّ. من هنا، تتلاءم إعادة توزيع الموسيقى والأداء المسرحي واللوحات البصرية (تصميم نديم صوما)، مع ثيمة العرض، ويتحرّر المخرج من الالتزام بمجرد استحضار ذاكرة «فنان الشعب» وإرثه الفنّي بقالبه الموسيقي الشرقي.
الأغاني في عرض «عين الشيطان»، تعرض الجانب السوداوي في شخصية سيّد درويش، الساخر، الحزين، أو الغاضب. «سالمة يا سلامة»، «علشنان ما نعلا»، «ايه العبارة»، «حرج علي بابا»، «لحن المؤامرة»، «يا ناس انا متّ فحبّي»، «القلل قناوي»، «بصّارة برّاجة»، «لحن الشيالين»، و«لحن الشيطان»، اختارها هشام جابر أيضاً كي ننظر منها الى حاضرنا، من هو شيطاننا اليوم؟
العناوين المذكورة هي أعمال ألّفها درويش للمسرح، تشكّل مع بعضها، لوحة موزاييك، صورة جامعة من المجتمع المصري، الطبقة الكادحة من خلال صور الشيالين، العربجية، الفلاحين.. قصص من الشارع، من الأزقة، تابوهات، محرّمات وأحداث من زمن الاستعمار.
الموسيقيون المشاركون في «عين الشيطان» هم شياطين سيّد درويش أيضاً. شخصيات مهرّجة، بكل ما تحمله شخصّية المهرّج وتقاسيم وجهه من تناقضات، ومعهم يكتمل المشهد الذي سيجسّد جانباً من سيرة سيّد درويش ومن سيرة مصر بالأبيض والأسود.
موسيقياً، موسيقى سيّد درويش كشخصيته، تحتمل العديد من التجارب. خيار الآلات والتوزيع في «عين الشيطان» سيخدم مسرحة العرض وروح النصوص التي ستتم تأديتها، متحرّراً من الصيغة الأصلية للألحان.
درويش صاحب المدرسة الشعبية الأهم في تاريخ الأغنية المصرية والعربية بعد عصر النهضة، بحر لا يزال يشرب منه العديد من المؤلفين والباحثين. «عين الشيطان» (إخراج هشام جابر) فصل من هذه السيرة الموسيقية بمشاركة فرقة موسيقية مؤلفة من مارك ارنست (بيانو)، بشار فران (باص الكتريك)، عماد حشيشو (عود)، فؤاد الكجك (درامز) أحمد الخطيب (إيقاع)، ومن مصر، مريم صالح (غناء).

«عين الشيطان» لهشام جابر: 21:00 مساء 26 و27 و 28 شباط (فبراير) ـــ «مترو المدينة» (الحمرا) ـــ للاستعلام: 76/309363