ليست صفة "أمير الكمان" مجرّد لقب لفظيّ يكرَّم به سامي الشوّا (1885-1965) من باب الإطراء، بل إنّها تكتنز في باطنها دلالات عميقة جديرة بالتمحيص، تشكّل مفتاحًا لفهم إرث ذلك الموسيقيّ العربيّ الكبير ولتحديد الدور المحوريّ الذي اضطلع به في المسار الموسيقيّ للنهضة العربيّة. أمّا الدلالة الأولى لتلك الإمارة الكمانيّة، فهي تتمظهر في وجود سلالة شريفة حقيقيّة في المجال المذكور، إذ ترقى أصول الشوّا الكمانيّة إلى حلب أواسط القرن الثامن عشر. آنذاك طوّع عَمُّ جدّه أنطون الشوّا آلة "الكمان الرومي" (الڤيولون)، وأدمجها في التقليد الموسيقيّ الحلبيّ.


كذلك في العام 1867، أدخل أبوه -المكنّى أيضًا بأنطون الشوّا- الكمانَ الروميّ المعرَّب إلى بلاط الخديوي إسماعيل، وجعله في تخت التقليد الموسيقيّ المصريّ بدلاً عن الرباب ، وذلك في خضمّ الحركة التجدّديّة النهضويّة الّتي كان يقودها عبده الحَمولي (1843-1901) . وأنطون الشوّا هو الكمانيّ المرموق عينه الذي اجتهد في سبيل المزاوجة بين التقليدَين الموسيقيَّين الحلبيّ والمصريّ، وذلك انطلاقًا من حسّه القوميّ العربيّ الّذي أورثه إلى ابنه سامي، والّذي تلخّصه هذه الجملة الواردة في مذكّرات الابن : "الوحدة في المشاعر بين العرب موجودة.. وما أنا إلاّ معبّر عنها بالموسيقى".
كذلك الأمر، عندما سأل الزعيم السياسي المصري مصطفى كامل سامي الشوّا في مطلع شبابه إن كان يرى نفسه من الدخلاء (كونه شاميًّا يقيم في مصر)، أجابه في حدّة: "لا يا باشا.. لسنا من الدخلاء. ما نحن إلاّ فنّانين عرب نكافح بموسيقانا من أجل رفعة العرب!!" . ويتبدّى العنفوان عينه في مقولة أنطون الشوّا مُثنِيًا ابنه عن دراسة الكمان الغربيّ: "نحن عرب والموسيقى الافرنجيّة لا تمثّل حياتنا أو بيئتنا" . كما نجد مصاديق ذلك الإباء عند الابن في تأكيده على الندّيّة بين العازف والمطرب: "كُنت أرتفع بصوت الكمان لأعبّر بالنغم عن معاني الكلمات التي كان يغنّيها الشيخ يوسف ]المنيلاوي[" . وينضوي في السياق عينه قيامُ ذلك الكمانيّ المرموق عزف أدوار شهيرة مثل "كادني الهوى" و"سلِّمْتِ روحَك" وتسجيلها. وبالفعل، فإنّ الكمان في تلك التسجيلات "يغنّي" حقًّا، مرتجلاً فقرات "الهَنك" التجاوبيّة من الأدوار، على نسق الشيخ يوسف المنيلاوي وعبد الحيّ حلمي، وعلى القدر عينه من الجودة، ما يشكّل تجربة ملحوظة لم يتجرّأ أحد من أترابه على خوضها من قبل. وقد وصلت به حميّته العزفيّة تلك إلى حدّ تسجيل أغانٍ تقليديّة (مثل "رقص الفرفورة") يكرّر فيها بعض المطربين مذهبها لمصاحبة ارتجالات أميرنا الكمانيّ، وهو يفرض هكذا عُرْفًا تراتبيًّا متأصّلاً في جوهر الموسيقى، يرجّح الكفاءة الإبداعيّة على حساب الامتيازات الحنجريّة.
وقد عاش سامي الشوّا منذ نعومة أظافره تلك الوحدة المبدئيّة القائمة عند العرب في ما بينهم، مسيحيّين ومسلمين، شوامًا ومصريّين، مطربين وعازفين. وهو ما جعله، وعوضًا عن أن يواكب أبوه خطواته الأولى في تعلّم العزف على الكمان، يبدأ في سنته السابعة يتدرّب لوحده؛ وقد بدأ ذلك من خلال ترداده عزفًا على الكمان للأذان الذي كان يلقيه شيخ من على مئذنة مسجد الحيّ . وأمّا هذا الاستهواء الذي عاشه ذلك الطفل المسيحيّ حيال نغم التلاوة المرنّمة التجويديّة الإسلاميّة، المفعم في ملئه الترنّميّ اللحنيّ لمقاطع الكلام، فهو لم يفارق أمير الكمان على مدى الحياة. بل نجد أثره يبدأ مع تسجيل سامي الشوّا للأذان عزفًا على الكمان، ولا ينتهي مع تسجيل قصيدة "يا نسيم الصبا" المُرسلة ، الّذي جمع بين إمام المنشدين المُسلمين، الشيخ على محمود، وبينه، بصفته إمام العازفين العرب. وفي هذا التسجيل، يردّ الشوّا على كلّ جملة يرنّمها الشيخ (من دون أيّ مصاحبة عزفيّة)، وذلك من خلال بلورته على الفور لترجمة عزفيّة لها، تشكّل صدىً للّحن قد تمّ تجريده من الكلام.
وفي الواقع، اضطلع سامي الشوّا بدور رياديّ في نموّ الموسيقى العزفيّة العربيّة بشكل مستقلّ عن الغناء. وقد أخذ هذا النموّ شكل ترجمة عزفيّة لصدى نهضة التقليد الغنائيّ المشرقيّ، وذلك من ضمن تيّار النهضة الثقافيّة العربيّة الذاتيّة (من داخل المنظومة التقليديّة)، الّذي نشأ ردًّا على متطلّبات العصر. وكما صنع عبده الحمولي في حقل الغناء، كذلك فعل سامي الشوّا في حقل العزف، فعمل على تنشيط اللسان المقاميّ القديم المشترك للشرق الموسيقيّ. وقد أخذت تلك الحركة الإصلاحيّة شكل التلفيق بين أربع لهجات مشتقّة عن ذلك اللسان المقاميّ، وهي : (1) التقليد الغنائيّ الحلبيّ للموشّح وللقصيدة المُرسلة، (2) التقليد العربيّ المشترك للإنشاد الدينيّ الإسلاميّ، توشيحًا وترنيمًا للقصيدة الصوفيّة، (3) التقليد الغنائيّ الشعبيّ المصريّ للدور والموّال في صِيَغِهما البدائيّة التكراريّة، (4) التقليد الموسيقيّ العثمانيّ في شكلَيه العزفيّين البشرف والسماعي .
أمّا أسلوب تلك الفقرات، فينضوي تحت مثلّث جماليّ للأنساق الموسيقيّة يحيل إلى شعائرية دينيّة شبيهة بتلك الّتي نظّر لها فريدريش نيتشه في ولادة التراجيديا (1872)، مبيّنًا مفاعيل قوّتَين أساسيّتين في تكوين الفنون في الحضارة الإغريقيّة، هما القوّة الأپولونيّة (نسبةً إلى الإله أپولون) والقوّة الذيونيسيّة (نسبةً إلى الإله باخوس\ذيونيسوس). ويمكن وصف النسق الأوّل بالإبراهيميّ والتجويديّ، فجوهره تبليغيّ مستمَدّ من أديان الكتب السماويّة، ما يجعله يُخضع الإيقاع الموسيقيّ لوزن الكلام التجويديّ. أمّا النسق الثاني، فهو ذيونيسيّ الهوى، يتمحور على المجاوبة، أي التداول بين لازمة جماعيّة وفقرات فرديّة، في تركيز شديد على النغم والأيقاع المبني على ميزان الحركة الطقسيّة و\أو الراقصة. وفي الحالات القصوى، يؤول سماع تلك المجاوبة إلى دخول السامع في حال من النشوة الجماعيّة التشاركيّة، كما في الأسرار التدرّبيّة القديمة، المقترنة برمزيّة إلهيّة زراعيّة (دورة الحياة والموت والقيامة)، وفي امتداداتها المتأخّرة، ما يجعل هذا النسق يتّصف بالسرّانيّ. أمّا النسق الثالث، فهو أپولونيّ الوجهة (ذات الرمزيّة الإلهيّة الرعويّة). وهو يتمحور على النشيد ذي اللحن المتردّد من بيت (أو جمع من الأبيات) إلى آخر، فيجعل شيئًا من التوازن بين الكلام الشعريّ والحركة والنغم.
ولتلك الأنساق دور أساسيّ في تحديد ملامح الوصلة، أي الشكل العامّ للحفلة الموسيقيّة في مدرسة النهضة المشرقيّة العربيّة. وفي الواقع، تتولّد الوصلة من أحد المقامات السبع الأساسيّة في التقليد المذكور (أي أمّهات المقامات: الراست والبيّاتي والسيكاه والحجاز والصبا والجهاركاه\البلديّ والعشّاق\البوسليك). وهي تتنامى على ثلاثة أطوار أو مراحل متوالية ، يقترن كلّ طور منها بأحد الأنساق الجماليّة الموسيقيّة المذكورة آنفًا، متّبعين المسار الجدليّ المعهود: الطرح\نقض الطرح\المحصّلة. ويختصّ الطور الأوّل (الطرح) بالمقدّمات الملحّنة الثابتة على موازين دوريّة، العزفيّة (دولاب ، استهلال ، بشرف، سماعي)، والغنائيّة (موشّح)، وهو يقترن بالنسق الأپولونيّ الإنشاديّ.
أمّا الطور الثاني (نقض الطرح)، فيقترن بالنسق الإبراهيمي، وهو يتماهى مع التلاوة المرنّمة لموّال (نظم زجليّ) أو لقصيدة مُرسلة. وفي مطلع عصر التسجيلات الصوتية، تنامى شكل التقسيم العزفيّ العربيّ المستقلّ إنطلاقًا من الاستهلال التقسيميّ للموّال أو للقصيدة ومن الترجمة العزفيّة للتلاوة المرنّمة. وهو يتبع لحنيًّا "سير" المقام أي مجرى عمله، في حين يعكس إيقاعه وزن ألفاظ لسان الضادّ، وذلك عملاً بمفاعيل التجويد اللفظيّ. لكنّ النسق السرّانيّ يتدخّل في تشكيل الجمل التقسيميّة من خلال ملء مقاطع الكلام المرنّم بالنغمات العديدة في ما يسمى بالترنّم. وبالتالي، فإنّ التقسيم عند سامي الشوّا يتماهى مع تجويد ترنّميّ يقوم به العازف على أساس نصّ افتراضيّ محجوب يجري فيه أمير الكمان تأويلاً موسيقيًّا. ويتجلّى هذا النصّ السرّيّ من خلال نطق النغمات بالقوس، وكأنّما اليد اليُسرى تُظهر حروف علّة ذلك النصّ وحركاته، في حين القوس يتولّى لفظ حروف الهجاء، حتّى ولو أخذ القوس أحيانًا بحجبها مبحوحًا، أو أخذت اليد اليسرى بتهجئة الكلام من دون الاستعانة باليد اليمنى، عملاً بتقنيّة البَصْم المستعارة من طرائق العزف على العود.
وما يلفت النظر أنّ أمير الكمان، بالإضافة إلى إبداعه في التقاسيم المُرسلة، أي غير الموقّعة دوريًّا، أجاد إلى أبعد حدّ في ارتجاله التقاسيم الموقّعة دوريًّا. ويتميّز هذا النوع من التقاسيم بكونه يعتمد على "مزَن" (ميزان) هو كناية عن حركة لحنيّة موجزة مبنيّة على الضرب الإيقاعيّ المعتمَد، إذ يعزف أعضاء التخت هذا "المزَن" تكرارًا بالتزامن مع ارتجال الجُمَل التقسيميّة. وتُبيّن هذه اللازمةُ الصغرى المتكرّرة نغمةَ القرار في سياق الميزان القرعيّ، وهو عادةً ضرب "البمب" وأحيانًا ضرب الأقصاق (ذو الميزان الأعرج). ومن خلال استخدام تلك الوحدات اللحنيّة الموقّعة المتكرّرة، يضع هذا القالب العزفيّ نفسه تحت سلطان النسق الجماليّ السرّانيّ. وبالفعل، فإنّ هذا التزامن بين ترداد المزَن من التخت وارتجال التقسيم من العازف المفرّد يُشبه وضعيّةَ حلقة الذكر الصوفيّ، الّتي يتزامن فيها توقيع الذكر الإلهيّ مكرَّرًا من الجماعة مع الترنيم المرتجَل للقصيدة من شيخ الحلقة. وتشكّل البنية المقاميّة الأساسيّة للمزَن وبنيتها الإيقاعيّة القاعدة التوليديّة الخلفيّة الّتي ينطلق منها "شيخ التخت الكمانيّ" لتركيب نصّه الموسيقيّ المرتجَل. وهو ما يصنعه في خاتمة الفقرات التجاوبيّة الغنائيّة من طور الوصلة الثالث، من صنفَي الدور والقصيدة على الوحدة، أي أنّه -من خلال قفله التقسيميّ على البمب- يطبع ختمه السرّانيّ على تسجيلات المطربين.
كذلك يشكّل هذا الختم القاعدة التوليديّة الخلفيّة لمجمل الفقرات العزفيّة المبنيّة على المخطّط التجاوبيّ. وهو حال التحميلة والتقسيم\الرقص، وهما الشكلان من الارتجال الحواريّ اللّذان ابتكرهما و\أو نمّاهما سامي الشوّا من خلال تحويله لفقرات من التراث الموسيقيّ الريفيّ المصريّ والشاميّ إلى لازمات ومزنّات الارتجال العزفيّ المُتقَن، وقد أوجد على هذا الأساس إرثه الخاصّ. ويتنامى هذا الأثر البلديّ في عمل أميرنا المشرقيّ إلى حدّ أنّه في تسجيلات متعدّدة يتقمّص دور الكاهن المزماريّ في طقوس النشوة القديمة. وهو يذهب إلى تغيير وضعيّة أوتار كمانه للاقتداء بصوت المزمار والمجوز، وذلك إحياءً لمزمار آسيا الصغرى القديمة.
هكذا، وخلف صفة أمير القوس، يتلألأ دور شيخ الأسرار القديمة. لكن سرعان ما تطبع الروحانيّةُ الأرثوذكسيّة موسيقيّةَ الأمير الكاهن. وبالفعل، فإنّ التوق إلى التكاثر النغميّ غير المتناهي في الملء الترنّميّ لنبضات التجويد العزفيّ الصوتيّة يوافق مفهوم الإببيكتازيس (επεκτασις)، أي "التمدّد"، لدى آباء الكنيسة الشرقيّة، وهو مصداق للانشداد الوجوديّ للإنسان نحو الله. وبخاصّة، فإنّ رمز رؤية الله من الخلف، لدى القدّيس غريغوريوس النيصصيّ (في تأويله الصوفيّ للموقف الموسويّ)، كما رمز سلّم الفضائل الروحية إلى الله، عند القدّيس يوحنّا السلّميّ، يعطي قاعدةً لاهوتيّة طقسيّة لذلك التمدّد النغميّ الّذي يتجلّى في ترانيم "التِّريرِم" الملائكيّة في الكنيسة الأرثوذكسيّة. أمّا الرقص الملائكيّ عند سامي الشوّا، فهو ينضوي تحت راية تلك الجماليّة الصوفانيّة. وكأنّما الترنّمات السرّانيّة الّتي تؤتي بها يد الكمانيّ اليُسرى، حينما ترمي بنفسها في هاوية نبضات القوس، ترتقي سلّم النغمات نحو اللا نهاية، لكن من غير وصول، فتدمج بعضًا من اللا نهاية في ذاتها، وتشهد على مسار تأنسن اللاهوت في سبيل تألّه الناسوت.