كان أول من أمس يوماً «مجيداً» لقناة «أم. بي. سي»، خصوصاً مع انتهاء «محبوب العرب» (Arab Idol) بفوز المتسابق الفلسطيني يعقوب شاهين. طبعاً هنا تحضر أسئلةٌ كثيرة رافقت البرنامج منذ حلقاته الأولى: ما سرّ المتسابق اليمني؟ ماذا عن المتسابقين الفلسطينيين؟ ماذا عن زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس إلى كواليس البرنامج؟ وهل كانت الزيارة «مدبرة» وبعلم الرئيس بأن أحد «مواطنيه» فائزٌ باللقب؟


في البداية، يحضر المتسابق اليمني عمار محمّد إلى الواجهة مع زيه اليمني التقليدي وخنجره الذي يزين وسطه. قد تبدو صورته على شاشة سعودية، والطائرات السعودية تقصف بلاده، سيرياليةً للغاية. قد يبدو الكلام قاسياً إلى حدٍ ما، لكنه حقيقي. لا دخل للفن بالسياسة. سيحمل كثيرون هذا السيف، لكنه أيضاً سيف ديموقليدس المصلت فوق رؤوس الجميع: القناة السعودية ما اختارت محمّد إلا لأنّه يمني في محاولةٍ «لكي الوعي» بكل ما تحويه الكلمة من معنى. سيعود التعبير نفسه إلى الواجهة في كل خطوات القناة، كما في كل خطوات البرنامج.


اهتم أبو مازن بالبرنامج
أكثر من اهتمامه بفلسطينيّي المخيمات في لبنان
لا تكره السعودية (وقنواتها مثالاً) اليمنيين، بل بالعكس، فإنّها تمجدهم وتضعهم على واجهاتها، وبزيهم التقليدي أيضاً! هذا لسان حال القناة إذاً. هل هناك سقف أعلى من هكذا «حرية» و«ديمقراطية» وتقبّل للآخر؟ وفي الوقت عينه، تظل الطائرات السعودية تقصف الشعب اليمني كأن الأمر حدثٌ يوميٌ عادي. وحدهم الصهاينة يتفوقون على هذا.
المتسابقان الفلسطينيان يعقوب شاهين وأمير دندن قصة أخرى. دندن القادم من قرية مجد الكروم الجليلية (القرية لمع اسمها مع تواجد ابنها هيثم خلايلة في النسخة السابقة من البرنامج) هو من فلسطينيي الـ48، أي أنه يحمل جواز سفرٍ إسرائيلياً، أحببنا ذلك أم لم نحب، فهل هذا تطبيع من جهة القناة؟ الأمر بالتأكيد ليس كذلك، فعرب الداخل الفلسطيني مقاومون وشرفاء، لكن إصرار القناة ليس بريئاً، خصوصاً أنَّ الناطق الرسمي لجيش الاحتلال الصهيوني– سيئ الذكر- أفيخاي أدرعي لطالما «هلل» لدندن، بصفته مواطناً «إسرائيلياً» من خلال تغريدةٍ أهدى فيها أغنية أداها الشاب (أمانة عليك يا ليل طول) مشيراً إلى أنه «إبن البلد» (رغم أنَّ دندن شرح لأكثر من وسيلة إعلامية عن وضع فلسطينيي الـ48 الخاص). فنياً، وكي نعطي الشاب حقه، فهو موهوبٌ فعلاً، أصدر ألبومه الأوّل وهو في الـ 15 من عمره وقادم من عائلةٍ فنية. لذلك لم يكن وجوده بين المتسابقين النهائيين مجرّد «كرمٍ» سعودي، لكنه «كرمٌ» مفيد للقناة، فهذا يعزز ولو قليلاً من العلاقة «الطفلة» مع كيان الاحتلال وحكومته.
من جهته، يأتي يعقوب شاهين مختلفاً إلى حدٍ أكبر. منذ لحظة تواجده الأولى، كان يقدّم «اللون» الفلسطيني مع أغنيات مثل «دمي فلسطيني» و«تعلى تتعمر يا دار» وصولاً إلى ارتدائه «الحطّة». الشاب المسيحي (استثمرت القناة انتماءه الديني) القادم من بيت لحم والمتدرب في «معهد إدوار سعيد الموسيقي»، يعرف من أين تؤكل الكتف، خصوصاً مع كلمته «المؤثرة» لحظة تتويجه، مشيراً إلى «وجع الأوطان» فلسطينياً، يمنياً، وعربياً. وهو كان قد فاز بلقب «نجم فلسطين» عام 2005، ولقب «الفلسطيني نيو ستار» عام 2012. هذا يؤكد إذاً أنّه موهوب ذو صوت رخيم. لكن في عصرنا الحالي مع كل ما فيه من «ألعاب سياسية»، هل يمكن القول بأنَّ الموهبة وحدها كافيةٌ ليتحوّل المرء نجماً وفائزاً بلقب برنامجٍ بهذا الحجم؟ هل هناك أبهى من صورة شابٍ «مسيحي» من بيت لحم يحصل على جائزةٍ من قناةٍ سعودية؟ تأتي هذه الصورة لتدحض كل الشائعات التي يسوّقها كثيرون عن أنَّ «مملكة الخير» بلد «عنصري» و«قمعي» لا يؤمن بالتعددية! إذاً ماذا عن زيارة أبو مازن (اهتم بالبرنامج أكثر من اهتمامه بفلسطينيي المخيمات في لبنان مجتمعين) هل كان ممكناً لصانعي البرنامج أن يتجاهلوا وجوده ويعطوا الجائزة للمتسابق اليمني؟ ألم يكن من الأفضل للقناة أن تحضر الرئيس اليمني المخلوع هادي (طالما أنّه متواجد دائم على أرض مملكتها) كي ينافس أبو مازن؟ الظاهر أنَّ الأمر كان محسوماً مسبقاً. الفلسطيني سيفوز مرةً ثانية باللقب (بعد الغزّي محمد عسّاف في النسخة الثانية).
هو كي مطلق للوعي: الفلسطيني «المسيحي» في مواجهة أخيه الفلسطيني واليمني الذي يقتل شعبه بطائرات أصحاب القناة. هذا لا يذكرنا إلا بفيلم «ألعاب الجوع» (Hunger Games). صحيحٌ أنَّ الألعاب هنا لا تنتهي بمقتل المشاركين، لكنها تقتل شيئاً فينا، نحن المشاهدين. هل علينا أن «نقلب» القناة؟ كيف ذلك ولا بدائل فنية على قنواتٍ أخرى؛ والناس ملّوا الموت والدمار؟ إذاً هم التجار أنفسهم: يتاجرون بالموت تارة، وبالفن - الذي يريدونه - طوراً. لا حلول أمامنا كمشاهدين إلا أن نستهلك ما تعطينا إياه «مملكة الخير» وقنواتها «الرائدة». بمعنى آخر أكثر دقة: طبّاخ السم هو ذاته، فكيف الخلاص؟