هو انقلاب بكل ما للكلمة من معنى، يقوده حالياً الإعلامي طوني خليفة، على نفسه أولاً، وعلى الوضع الإعلامي السائد. منذ تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، تاريخ تدشين برنامجه الجديد «العين بالعين» على «الجديد»، خطا خليفة قفزة نوعية في عمله المهني، وتحديداً في طريقة معالجته للقضايا الاجتماعية والدينية والسياسية الشائكة بعين موضوعية، بل بعين مختلفة، تنسف تاريخاً من الأداء الحواري الفضائحي، ليكرّس صورة جديدة أثبتت نفسها على مدى هذه الأشهر.


ربما كان خليفة وحيداً اليوم في هذه الساحة، التي تعجّ بالسطحية واستغلال القضايا والحالات، وتحويلها مادة للترفيه والتلصص. وحيد ربما، لكنه يعرف كيف يمتلك أدواته، التي تبتعد عن الإسفاف والصحافة الصفراء، ليبقى اسمه حاضراً في الإعلام وعلى ألسنة الناس، بالتوازي مع الأداء المهني العالي.
يوم الخميس الماضي، كنا على موعد مع حلقة تتناول قضية المثلية الجنسية. قد لا يكون الموضوع جديداً، لكن بالنسبة الى خليفة، استطاع من خلاله تكريس أداء موضوعي محبوك بحسّ عال من الإنسانية تجاه هؤلاء. حضرت في الحلقة شهادات لمثليين/ات، والى جانبها حضر الشق الديني بجناحيه المسلم والمسيحي، والطب كذلك. لم تقع هذه الحلقة في جوّ من الروتين والحوار الكلاسيكي داخل الاستديو، بل أغنت مجموعة من التقارير هذه الحلقة، من خلال الحديث عن أشهر المثليين/ات من المشاهير حول العالم، وعن الممثلين/ات اللبنانيين/ات الذين لعبوا أدواراً لشخصيات مثلية أيضاً على الشاشة، وعن تصرفات «داعش» الوحشية إزاء المثليين/ات. كما كان لحضور الفنانة مادونا في منزلها، قيمة إضافية، عندما تناولت تجربتها الشخصية مع من عملت معهم من المثليين/ات في مجالات فنية مختلفة، وأكدّت مراراً على مظلوميتهم الاجتماعية العالية. ودعتهم الى اعتماد الفرح وسيلة لأنّ الحياة قصيرة.
طيلة هذه الحلقة التي عرضت نماذج مختلفة من متحولي الجنس الى المثليين/ات، حرص الإعلامي اللبناني على إظهار حساسيته تجاه هذه القضية الجدلية اليوم، واحترم خصوصية كل حالة. كما كانت محاججته لرجال الدين، مقنعة ومحرجة لهم، لا سيما بعد سؤالهم افتراضياً عن كيفية تصرفهم إزاء أحد أولادهم الذي قد يكتشفون أنه مثلي/ة!.
إذاً، حلقة إنسانية ومهنية بامتياز، تحدى فيها خليفة نفسه، وحتى جزءاً من المشاهدين/ ات الذين توجه اليهم، كونهم قد يعتبرون هذه الحلقة ترويجاً للمثلية، أو يرفضون بالأصل طرح قضايا مماثلة على الشاشة. حلقة «المثلية الجنسية»، تضاف اليها حلقات أخرى تتعلق بالزواج المدني، وذوي الاحتياجات الخاصة، وصولاً الى حلقة الرايتينغ وغيرها من القضايا، كرس فيها خليفة، خطاً مهنياً مغايراً، وثبت صورته كمحاور رصين، يعرف من أين تؤكل الكتف. في زمن الابتذال والإسفاف لجلب المشاهدة، سار عكس التيار، واستطاع تقديم صورة إعلامية تظهر أن التفكير والإبداع من خارج إطار ولعبة التلفزيون، يمكنهما تحقيق نسب مشاهدة عالية، موازية لأداء مهني رصين، بات عزيزاً في هذا الزمن.

«العين بالعين» كل خميس 21:30 على «الجديد»