الرباط | غيّب الموت قبل أيام الفنان محمد حسن الجندي (مواليد مراكش 1938)، أحد رواد الحركة المسرحية والتمثيل الإذاعي في المغرب، وأحد أشهر المغاربة الذين جسدوا أدواراً تاريخية في مسلسلات وأفلام عربية وأجنبية.


وكان الراحل قد وقّع في معرض الكتاب في الدار البيضاء سيرته الذاتية «ولد القصور»، ليفاجئه الموت بعدما تطوّر الرشح الذي أصابه إلى التهاب رئوي.
قبل المسرح والسينما، مال الجندي في شبابه الأول إلى الملاكمة، حيث كان يتدرب في أحد الأندية. ألحقه والده بمدرسة قرآنية في رفض تامّ للتعلم على أيدي الفرنسيين خلال المرحلة الكولونيالية. لذلك لم يلتحق بالتعليم النظامي مزدوج اللغة إلا في فترة متأخرة بعد رحيل والده. انخرط باكراً في العمل السياسي الذي كانت تؤطره «الحركة الوطنية» آنذاك، وسيتم اعتقاله ليقضي شهرين في السجن بسبب ما كان يكتبه على جدران مدينته من عبارات تحريضية ضد المستعمر.
وفي أواسط الخمسينيات مباشرة عقب الاستقلال، سيترك مراكش ليلتحق بفرقة التمثيل التابعة للإذاعة الوطنية. وما إن أسّس أول فرقة مسرحية في مساره الفني في مراكش حتى وجد أنّ إذاعة الرباط قد تخلت عنه. لم يمنعه ذلك مواصلة شغفه بأبي الفنون، إذ أسس في العاصمة فرقة «الشبيبة العاملة». وسيعود لاحقاً إلى الإذاعة بعد تدخل وزير الإعلام آنذاك عبد الله ابراهيم أحد أفراد عائلته الذي سيصبح في ما بعد رئيس أول حكومة وطنية. ولأسباب سياسية، سيُنقَل الجندي إلى القسم الأمازيغي، لكن المهدي المنجرة سيتدخّل بصفته مدير الإذاعة آنذاك ليعيده إلى القسم العربي، حيث ستكون انطلاقته القوية آنذاك ليس كممثل إذاعي فحسب، بل كمؤلف ومخرج للعديد من التمثيليات. ويحسب له أنّه مخرج أول مسلسل تلفزيوني في تاريخ الدراما المغربية «بائعة الخبز».
شهرة الجندي مستمدة بالأساس من صوته الجهوري الذي يترك وقعاً خاصاً في أذن المستمع، ويجعله يحسّ بنخوة الأصالة والانتماء العربي... هذا الانتماء الذي ظل الراحل معتزاً به ومدافعاً عنه بكل السبل، هو الذي كان متوجساً بخصوص التحولات التي طرأت على الهوية العربية. فقد كان يرفض أن تتسلل المفردات الفرنسية إلى اللهجة المغربية، وحتى في أحاديثه للصحافة وفي حياته العامة، كان الرجل فصيحاً في لهجته. وخلال السبعينيات، حين نقل «الأزلية» (سيرة سيف بن ذي يزن) من الكتب التراثية إلى الإذاعة الوطنية، كان حريصاً على تقديمها بلغة وسيطة تقترب فيها اللهجة من الفصحى. الأمر ذاته سيحسّه المشاهد وهو يتابع أعماله المسرحية، فالرجل كان مغرماً كبيراً بالتراث العربي، بلغته وبتفاصيله وبتلك الالتماعات الكبرى فيه.
في سنوات السبعينيات أيضاً، كان الراحل يقدم برنامج «كشكول المغرب» في إذاعة «بي. بي. سي»، وكانت هذه التجربة بالنسبة إليه مجالاً آخر لتجريب واستثمار مهاراته الصوتية.
أما السينما والدراما، فقد شكلتا معاً الفضاء الأكبر الذي وجد فيه الجندي ما يبحث عنه، وما سيترجم ولعه وجنوحه إلى التراث، فالرجل كان يَطرب وينتشي حيث يوجد الشعر والبلاغة وخيام الكرم والأحصنة العربية الأصيلة.
وسيذكر له المشاهد العربي حضوره في فيلم «الرسالة» للعقاد، حيث جسد شخصية عمرو بن هشام (أبو جهل) في النسخة العربية، ودور «كسرى» في النسخة الإنكليزية، إضافة إلى تجسيده دور «رستم» في فيلم «القادسية» لصلاح أبو سيف، ومشاركته في «ظل فرعون» و«طبول النار» لسهيل بن بركة، و«بامو» لادريس المريني، و«خيط أبيض خيط أسود» لبوغالب البوريكي، فضلاً عن حضوره في المسلسلات العربية التاريخية «الخنساء» و«آخر الفرسان» و«فارس بني مروان» لإسماعيل نجدت أنزور، و«صقر قريش» و«عمر» لحاتم علي، و«أمود» لفاطمة بوبكدي، وأعمال درامية أخرى مثل: «شجرة الدر»، «بلاط الشهداء»، «الطارق» وغيرها.
مثّل الراحل أدواراً تاريخية عديدة في أعمال مغربية وعربية وعالمية، وشارك في أعمال كثيرة في المسرح والدراما والسينما داخل المغرب وخارجه، لكنّه يشير في أحد حواراته المصوّرة إلى أنّ أعماله لم تحظَ بالاهتمام والرعاية في بلده. ويقول عن ذلك: «كل هذه السنين والتراكمات لا تساوي في وطنك شيئاً، هذا ما يحزّ في قلبي، وهذا هو الهمّ الذي سأرحل به».