أخيراً، أُدخل الشيخ «ميزو» السجن المصري. إنّها تهمة «ازدراء الأديان» مجدّداً. هذه التهمة التي أصبحت مستساغة كأنّها «شربة ماء». الفارق هذه المرّة أنّنا أمام شيخ أزهري مسجون. شيخ لا يُشبه الصورة النمطيّة لمشايخ الأزهر، إذ تراه يضع العمّة فوق رأسه مرّة، ثمّ تراه مِن دونها مرّة أخرى، ببدلة رسميّة، خطيباً في «رفاقه» داخل «صالون علمانيّون».


يُلقي عليهم «كبسولات التنوير» (كما يقول) ويدعوهم إلى الوقوف في وجع «الظلاميين». شيخ كوميدي فوق العادة، يُحبّ لعبة الإعلام، ولا يكفّ عن افتعال المشاكل بانتقاده «صحيح البخاري». ناشط على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يُطلق «قفشاته» الساخرة، ولا يزعجه أنّ يُتهم بالجنون. شيخ يردّ على «عامة الناس» الذين يدعونه إلى «التوبة» ويُحاججهم!
هو الشيخ محمد عبد الله نصر، خرّيج كليّة أصول الدين (قسم دعوة وثقافة إسلاميّة، بتقدير جيّد مِن الأزهر). قلّة في مصر يعرفونه باسمه، فهو الشيخ «ميزو» فحسب، هذا اللقب الذي أطلقه عليه إعلامي «إخواني» قبل سنوات، متهماً إيّاه بـ «الشذوذ» قصد إهانته. شطح الشيخ بعيداً، مدعيّاً أنّه «المهدي» المنتظر، فدعا الناس، كلّ الناس، إلى مبايعته. أصبح بعد ذلك نجم الساحة الإعلاميّة. وكالات مصريّة وأجنبيّة كتبت عنه. لاحقاً، قال إنّه «لا مهدي ولا حاجة» إنّما أراد فضح سطحيّة الإعلام، الذي ما كان ليُضيء عليه لو أنّه أعلن تشكيل «جماعة إرهابيّة». خرج كليّاً عن طوع المؤسسة الدينيّة، التي صبرت عليه طويلاً، أملاً برّده إلى «الصراط المستقيم»... إنّما بلا جدوى. لم يكن مِن وزير الأوقاف الإسلاميّة إلا أن دعا إلى سجنه. بات يصعب حصر الدعاوى القضائيّة ضدّ الشيخ.
يُفاخر نصر بأنّه كان أوّل خطيب أزهري في ميدان التحرير قبل ستّ سنوات. نزل إلى الميدان وشارك المحتشدين غضبتهم. وللأمانة، فإنّ أرشيف صور الوكلات الإعلاميّة يشهد على ذلك. بادر داعياً لإسقاط نظام حسني مبارك، قبل أن يحسم الأزهر موقفه مما يحصل، ثمّ عاد إلى الميدان لاحقاً لإسقاط نظام محمد مرسي «الإخواني». كان يُردّد دائماً أنّ «الإخوان» هم أعداء الوطن. المفارقة أنّ مَن سجنه اليوم هو «نظام السيسي» عدّو «الإخوان». كان يُدافع عن النظام الحالي، نكاية بـ «أعداء الإسلام» (كما يصفهم)، ولهذا ربّما صبر عليه النظام طويلاً.


كان أوّل خطيب أزهري في
ميدان التحرير قبل ستّ سنوات
لكن يبدو أنّه لم يفهم اللعبة. كان المطلوب أن يبقى ضمن «النظام»، لا أن يتفلّت. لم يعد يسيراً فهم ما يحصل في مصر هذه الأيّام. باتت كلّ أيام المحروسة «سرياليّة». شيء مِن مضاعفات ما بعد «الربيع». تنطبق على حال البلاد كلمات تلك الأغنيّة الشعبيّة هناك: «أنا مش أنا، أنا مش عارفني، أنا تهت منّي». كان يُمكن ترك الشيخ «خفيف الظلّ» طليقاً. إنّه، بشكل أو بآخر، يُخفّف قليلاً مِن خشونة المشهد العام. ذات مرّة، في برنامج تلفزيوني، اتهمّه أحدهم بأنّه عميل لإيران، لأنّه سافر إلى طهران للمشاركة في مؤتمر حول «الوحدة الإسلاميّة». ردّ على متّهمه قائلاً: «هل لديك إثبات على عمالتي؟ إن كان لديك ولم تقدمه إلى النيابة العامة، فأنت خائن للوطن، اذهب إلى القضاء غداً وأخبرهم عن الجاسوس الذي هو أنا. اذهب وسأدفع لك ثمن التاكس». الخلاصة، حُكِم على الشيخ بالسجن خمس سنوات، عقوبة ثقيلة في المبدأ، وإن كان الحُكم قابلاً للنقض بغية تخفيف العقوبة لاحقاً بُحكم آخر. كثيرون يرجّحون أن يُخفّف الحكم لاحقاً إلى سنة سجن واحدة، كما حصل سابقاً مع إسلام البحيري، الذي لم يفهم قبله لعبة النظام.
إنّه الشيخ «ميزو» الذي قال إنّ الحجاب ليس واجباً على المرأة شرعاً. رفض تحريم الموسيقى والأغاني، بل ذهب أبعد مِن المألوف مشيداً بـ «الرقص الشرقي». في المرحلة الأخيرة، أصبح «موجعاً» للمؤسسة الدينيّة، التي كان يُرهقها مِن خلال خبرته، كرجل دين، في كشف خبايا كتب التراث الديني. إنّه ابن هذه المؤسسة في نهاية الأمر. يعرف الكثير مِن أسرار بيتها الداخلي. راح يستخرج الكثير مِن أحاديث «السنّة النبويّة» (المكذوبة والموضوعة كما يقول) فيصدم بها الرأي العام. دعا إلى شطب تلك الأحاديث إنصافاً للنبي والصحابة. نقل مرّة الحديث رقم 243 مِن «صحيح البخاري» الذي نصّه الآتي: «سمعت أبا سلمة يقول دخلت أنا وأخو عائشة على عائشة فسألها أخوها عن غسل النبي، فدعت بإناء نحوا مِن صاع فاغتسلت وأفاضت على رأسها وبيننا وبينها حجاب». قامت القيامة عليه، فردّ قائلاً:«هذا ليس مِن عندي، إنّه مِن البخاري، أصدق كتب الحديث عندكم... أما تستحون أيها المشايخ مِن الحديث عن أمّ المؤمنين عائشة، فتنقلون حديثاً يقول إنها اغتسلت أمام رجل غريب، تفصلها عنه ستارة، وذلك ليتعلّم منها كيفيّة غسل النبي!». يومها، كان لا بدّ مِن اتهامه بأنّه مِن«عملاء الشيعة». ردّ عليهم بأنّه لا يؤمن بولاية الفقيه، ولا بعصمة أئمة كما عند الشيعة، وأنّه يُنكر «المهدي» أصلاً، وعموماً «إذا وجدت ما لا أقبله في كتب الشيعة، فسأردّه أيضاً وأنتقده». بلغ الغضب عليه مداه عندما قال: «إنّ حسن نصر الله (أمين عام حزب الله) أكثر إفادة للدين الإسلامي على المستوى الحركي مِن الشيخ محمد متولي الشعراوي، والعكس على المستوى الفكري». مَن يعرف مكانة الراحل الشيخ الشعراوي عند المؤسسة الدينيّة في مصر، وعند عموم الناس، يعرف كمّ الغضب الذي صُبَ على الشيخ «ميزو». إثر عودته مِن إيران، جرى التحقيق معه مِن قبل أجهزة الأمن، ولاحقاً رداً على تخوينه قائلاً: «تمّ تخويني لأنّي سافرت إلى إيران، طب يا جماعة الإخوان، يا متصهينين، يعني ما سمعتكوش بتتكلّموا عن اللي بسافروا إلى إسرائيل!». مرّة أخرى، يَظهر الشيخ أنّه لم يفهم لعبة الأنظمة جيّداً. أكثر مِن ذلك، سيتحدّث عكس تصريحات الأزهر التي أدانت (تحت ضغط سعودي) سلوكيّات «الحشد الشعبي» في العراق، فيقول: «الحشد الشعبي يُحرّر العراق مِن داعش، وهم مِن كلّ الطوائف، ونكاية باللي مش عاجبهم حروح العراق كمان».
ليس الشيخ نصر رجل فكر بالمعنى الأكاديمي للكلمة. إنّه يُكرّر خطاباً «تنويرياً» (يُصرّ على هذه الكلمة) معروفاً في مصر والعالم العربي. لو تُرِك لحاله، ولم يتلقّفه الإعلام، لما أصبح «نجماً». ليس صعباً أن يُدرك المتابع له أنّه أمام شخص مشاغب ضئيل الأثر... لكنّه في المقابل نجح في إحراج الكثير مِن مشايخ الأزهر الذين كانوا يتقدّمون لمناظرته، على الهواء مباشرة، طوال السنوات الماضيّة، فضلاً عن «السلفيين» الذي طالبوا برأسه.
يُشبه الشيخ «ميزو» شخصيّة «بهلول» الكوفي. تلك الشخصيّة التراثيّة التي اشتهرت في الدولة العباسيّة زمن هارون الرشيد. بهلول الذي ادّعى الجنون، وظلّ يُشاغب ضد النظام، في شكل مبتكر مِن أشكال المعارضة. قيل إنّه كان مِن العلماء قبل ذلك. مرّ يوماً أمام مسجد قيد البناء في بغداد، تعلوه لوحة كُتب عليها «مسجد الشيخ سعيد». التقى بالشيخ سعيد وسأله لِمَ بنيت المسجد، فأجابه: «لوجه الله». ليلاً، جاء بهلول وأزال اللوحة، ووضع أخرى مكانها كَتَب عليها «مسجد بهلول». في اليوم التالي، غضب صاحب المسجد. طلب إحضار بهلول وأراد معاقبته، فردّ عليه: «ولِمَ ذلك، أنت قلت لوجه الله، فما ضرّك لو كان المسجد باسمك أم باسمي، طالما أنّ الله يعلم نيّتك وأنّك بنيته لوجهه!». نجح بهلول، بامتطائه قصبة على أنّها فرسه في الشوارع، في تجنّب العقوبة. الشيخ «ميزو» المصري، الذي أعلن استعداده لدخول مستشفى المجانين، لم يُفلح في الفرار. إنّه الآن في السجن.