تقتحم دبابات الجيش السوري إحدى القرى المشهورة بزراعة الورد، لتحررها من إرهاب وظلامية «داعش» بينما تنتقل الكاميرا في وضعيات مختلفة، بعضها بدائي أعيد ابتكاره بصيغة معاصرة، تخدم المشهد الطويل، الذي يفتتح فيلم «ما ورد» (إنتاج «المؤسسة العامة للسينما» ــ عن قصة محمود عبد الواحد «عندما يقرع الجرس» ـــ سيناريو وحوار سامر اسماعيل ـــ إخراج أحمد ابراهيم أحمد). اصطحبنا المخرج إلى شركة «براق» في حي الجسر الأبيض الشامي العريق، حيث قاربت العمليات الفنية التي تجرى هناك على الانتهاء. سنحظى بمتابعة بضع مشاهد طويلة في صيغتها قبل النهائية، لنستقصي سريعاً تفوق المخرج التلفزيوني على نفسه في باكورته السينمائية الطويلة، واشتغاله بمزاج هادئ، مستغلاً خبرته الطويلة في فنون الإضاءة والتصوير، ومراقبته أدق التفاصيل، ثم اجتراحه حلولاً إخراجية تضبط دوران الأزمنة، من دون أي إشارة مكتوبة، بل تنبض من جوهر الحكاية.


هكذا، يعجز العتم الذي يسيج «عاصمة الأمويين» هذه الأيام، عن خنق الفن السابع، الذي يلتقط أنفاسه، وإن كانت غالبية ما ينتج حالياً يظهر كسيحاً إذا ما قورن بالسوية المأمولة!
من جهته، يحلّق «ما ورد» في سرب مختلف، ويبشّر بنتيجة مغايرة على مستوى ملامحه الأولى. الحكاية تفترض ثلاثة أزمنة تنطلق من نهاية خمسينيات القرن الماضي، وفق مراحل متتالية تأتي من وجهة نظر رجل عجوز.
على سرير المرض والموت، يطلب هذا العجوز من حفيده الضابط الشاب، بأن يستعيد له ألبوم صور خبأه في كرسي قديم، في قريته التي تشتهر بزراعة الورد الشامي، بعدما باشر الجيش تحريرها. هكذا، تبدأ القصة بحيث تتسلل الكاميرا من عمق كل صورة نحو إحدى مراحل الفيلم. الملفت بأن الوردة الدمشقية تعتبر بمثابة ثروة وطنية، لاعتماد أشهر ماركات العطور الفرنسية على زيوتها الغالية. وهو ما سنشهده في الحكاية من خلال مغترب يعود مع زوجته الفرنسية طمعاً بهذه الثروة.


يسرد «ما ورد» تاريخ سوريا
من خلال صنعة نادرة


الشريط الذي يلعب بطولته كل من عبد اللطيف عبد الحميد، فادي صبيح، نورا رحال، رامز أسود، ريهام عزيز، وآخرون... سيسافر إلى الهند لاستمكال العمليات الفنية هناك، ومن ثم يطرح للعرض في صالات دمشق في مطلع نيسان (أبريل) المقبل وفق ما يقوله لنا مخرجه. ويضيف: «نبتعد كلياً عن الظرف الدامي، لكننا نحاول سرد تاريخ سوريا من خلال صنعة نادرة، هي زراعة الوردة الدمشقية وتقطيرها. هذه الثروة المهملة سنواكب حيثياتها في حكايتنا. أما مقترحنا السينمائي، فيتلخص في تكثيف صورة بانورامية لسوريا من ألف النور حتى ياء الخراب، بلغة دلالية عالية الحساسية والرمزية، تستقي خصوصيتها من رومانسية القصة». أما عن سبب إقحام الإرهاب والزمن الراهن في أحداث الشريط، فيفصح مخرج «عناية مشددة» بأنه اختار أن يلعب على رمزية الحدث مفتتحاً ومختتماً شريطه بالوضع الحالي، من دون الانفصال عن الواقع، لكن بلغة ترميزية تفترض بأن الجراد الأسود، الذي اقتحم بلادنا، لم يفلت منه شيء. بل إنّه قضم الورد مدشناً سلسلة إجرامه بالقضاء على البشر والحجر والتاريخ والتراث والحضارة».