على مدى 111 صفحة، دونما عناوين أو إشارات يتّكئ عليها القارئ، تسرُد السورية هنادي زرقة، يوميَّات الحرب. بقوّة صوتٍ شعري نسوي سوريّ بارز، تمضي الكتابةُ نحو الاختزال والإيجاز إلى أعلى المستويات، هكذا دونما رتوشٍ إضافيَّة أو «أكسسوارات» تجعل القصيدةَ مترهّلة وغير قابلة لتذكّر الأثر/ أثرِ النصّ.


«الحياة هادئة في الفيترين» (دار النهضة العربية) ديوان هادئ جدّاً في مواجهة يوميَّات الحرب المثقَلَة بالفقد والضبابيَّة وضجيج الموت والعسكَر، وكما يقول عباس بيضون في معرض تقديمه للكتاب بأنّ النصوص بأكملها قطعةٌ سرديَّة موحّدة، حقّاً العوالم هي ذاتها داخل كلّ نصّ. تبدو مفردة الحرب غير خفيَّة، ولا حاجة في أن تملك ما يجب أن يدلّ عليها. الحرب موجودة فعلاً داخل النصوص وإن بدرجاتٍ متفاوتة من الإفصاح. وكلونٍ مختلف، تغدو النصوصُ كأنّها ملاحظاتٌ شعريَّة دوّنت على عجل أثناء انهماك الشاعرة بالحياة اليوميَّة/ حياةِ الحرب المليئة بالرتابة والاحتياجات البسيطة التي غدت احتياجاتٍ عظمى لا مفرّ من تدبيرها في أسرع وقتٍ. مفردةُ الحرب صارخة وتحيلنا على الخراب الأشدّ، حيث تبدو الحرب كأنّها مزحةٌ سَمِجة: «تشويش، حتّى إنَّني أعتقدُ أنّ كلَّ ما نمرّ به هو مزحةٌ ثقيلة من إلهٍ ضَجرٍ وكئيبٍ في وِحدَته».
طوال صفحات المجموعة، يغدو الهلع والخوف والموت والضجر والكآبة مفرداتٍ متكرّرة. يملأ الخوف كلّ مكان، كلّ زاوية في العالم الداخليّ، الألمُ مشذّباً ومكتوباً بشكلٍ يشبه حياكة سترة صوف في ليلِ شتاءٍ طويل! يحضر الموتُ أيضاً كسمةٍ من سمات ما نحياه في هذا العصر الحالي، الموت وما يليه من خساراتٍ طافحةٍ بالأسى تتبدّى لدى الشاعرة خلال القصيدة، حيث الموتُ واقف في جهةٍ ما خفيَّة ومن ثم الرغبةُ الدفينة: «حينَ يأتي الموتْ، سأستمهلهُ بعضَ الوقتِ، بقيَ من حصّتي، أخطاءٌ لم أرتكبها».
عادةً ما يتمّ الاتّكاء على تشابيهَ أو صور للتعبير عن «أهوال الحرب»، لكن هنا وفي «الحياة هادئة في الفيترين»، كلّ شيء مباشر وفقَ سردٍ شعريّ مرتّب وغير فوضوي. لا حاجةَ للاستدلال على شيء، فكلّ شيء واضح، والكلمةُ هي ذاتها وفق معناها الدقيق، الكلمةُ/ الدليلُ القاطع، لا أكثر ولا أقلّ. أحلامُ الشاعرة بسيطة ضمن النصوص. أوَ ليست البساطة دليلَ قوّةٍ وعمق؟ أو ربمّا دليل تعبٍ وإرهاق من المشاهد القاسية خلال اليوم الواحد الذي يتحوّل بفعل الضجر والخوف إلى أيّام طوِال: «وكلُّ ما أحلمُ به الآن، سريرٌ صغيرٌ في مدينةٍ بعيدةٍ لا يهزّها الخوف، لا تهرب منها الرّعشة!». رتابة الحياة لدى الشاعر، هي عنصر مهم في الكتابة الشعريّة، والكثير من النصوص الثريّة أتت في لحظةِ ضجرٍ أو ملل من الوقت الرتيب. نصوص «الحياة هادئة في الفيترين» تحمل دلالة عميقة على الضجر واللامبالاة، فالشعر يُكتَب كحاجةٍ لارتياحٍ ما أو لدفع الضجر والملل. تبدو قتامةُ الكلمة واضحة وتّشي بأن كارثةً ما ستقع بعد هنيهةٍ من القراءة! «كلَّ يوم أمارسُ الخديعةَ، وأُقنعُ نفسي أنّني على قيد الحياةِ، حتّى حين صوّبوا سهامهم نحوي، كنتُ أبتسمُ وأقولُ: هذا السهمُ لا يقتلُ جثَّةً».
كذلك تظهر الوِحدةُ كإحدى سمات نصوص هنادي زرقة. إنها، على اختلافها، نصوصٌ تُفصِح عن الوِحدَة من خلال استخدام ما يدلّ فعليَّاً، لا مجالَ هنا للتآويل أو للإتيان بمعاجمَ لغويَّة. الوِحدة هكذا عارية من كل شيء، جارحة، وغاضبة وقاتلة: «والوِحدةُ تُسدِّدُ آخرَ طلقةٍ على قلبِكِ». لا تخفي النصوصُ خفّة ظلّ الشاعرة السورية، فالفكاهة وليدة الأسى! أو ربما هي الكوميديا الكامنة في عمق المأساويّ، حيث تغدو الكلمة بكل بساطة مبعثةً على الابتسامة في توقيتٍ خاطئ: «لم يمت عشّاقي في الحربِ، هجَروني لينجِبوا أبناءً من امرأةٍ أقلَّ جنوناً، هذا كلُّ ما في الأمر!». يمكن قراءة «الحياة هادئة في الفيترين» حتّى بعد مضي زمن الحرب، لأنّ قصائد المجموعة أتت كصورٍ فوتوغرافيَّة تغدو أبهى كلّما مضت نحو القِدَم. الحرب بتفاصيلها المملّة والمؤذية موثّقة كلاماً، ودونما تورية أو اختباء أو حتّى رغبة في النجاة من الحرب.