الجدران الخارجية بلا نوافذ، ويلفّها غطاء أخضر شفاف. بهذا الشكل تستعد أبنية بيروت لملاقاة التدمير. ليس علينا أن ننتظر أن تثار فجأة قضية بيت تراثي، أو مبنى مهدّد بالهدم. جولة في أزقة بيروت، تفضح الأمر برمته.


الأبراج التي تقص السماء تقول ذلك كل يوم، وكذلك الإعلانات الضخمة التي تبيعنا السعادة والرفاهية على شقق الطابق الثلاثين! قبل أسبوع، سقط سقف «بيت ورد» في الأشرفية، بالتزامن مع التحاق «آر ديكو» في «شارع غورو» بمصير الأبنية الزائلة. أما قرارات مثل «الترميم»، أو «الاحتفاظ بالواجهة الخارجية»، فلا تزال هشّة تغيب عنها الملاحقة التنفيذية، أمام غياب قانون يحمي الأبنية التراثية من الهلاك! هكذا تقع المهمة على عاتق بعض المهندسين والناشطين الذين يسهمون، ولو عفوياً أحياناً، في تسليط الضوء على أبنية معيّنة، بينما تتهاوى أخرى بخفوت. بهذه العبثية أنقذت مجموعة مبان تراثية، في بيروت، ومنها أيضاً أفلتت بعض التعديات التي تمسح معالم المدينة وحقباتها، ولو كانت مدرجة على لائحة الجرد العام. اعتداءات تفرغ العمران من وظائفه وأبعاده الثقافية والاجتماعية والتاريخية والجمالية، وتحصره بعملية عقارية ربحية لا تبدو إلا الامتداد المُخلص لمرحلة «إعادة إعمار» وسط بيروت في بداية التسعينيات.

مبنى «بيت ورد»

سقط السقف في مبنى «محل ورد» (عقار 726) في فرن الحايك (الأشرفية) قبل أسبوع. هذا ما صرنا نعرفه عن المبنى، إضافة إلى اسمه الذي يحمل اسم محل للحلويات في الطابق الأرضي. العمارة التي تعود إلى أواخر القرن الـ 19، مدرجة على لائحة الجرد العام ضمن تصنيف التراث عام 1998. ولهذا رفضت وزارة الثقافة منح المالك إذناً بالهدم. أمس، أكّد العضو في بلدية بيروت هاغوب تيريزيان أن السبب كان «القيام بأعمال غير قانونية داخل المبنى، يتمثّل بتوسيع المحلّ بلا ترخيص». قد يكون هذا نموذجاً عن المخالفات الفردية، مقابل الانتهاكات التي تمرّرها وتسمح بها الجهات الرسمية. عمرانياً، يعدّ المبنى وفق مؤسس «أنقذوا تراث بيروت» ناجي راجي من بين آخر «5 بيوت في بيروت من هذا النوع»، منها مبنى في عين المريسة وآخر في البسطة، وفي أحياء أخرى في بيروت. المنزل الذي يعود إلى الحقبة العثمانية، يملك، بحسب المعمارية اللبنانية والعضو في جمعية «أبساد» منى الحلاق، خصائص فريدة تجمع بيتين بثلاث قناطر، ضمن بنية توأمية من خلال درج. وفي الطابق السفلي محلات تمنح المنزل طابعه المديني. لكن سقوط السقف أخيراً، أحيا مجدداً ضرورة الحفاظ على المبنى. أوكلت بلدية بيروت شركة «أبنية» أمر «إعادة ترميم المبنى» كما قال العضو في المجلس البلدي سليمان جابر، بعدما تدخّل رئيس الجمهورية ميشال عون عبر توكيله وزير مكافحة الفساد نقولا تويني، لتولي لمتابعة إعادة الترميم بالتعاون مع وزارة الثقافة.

مبنى «آر ديكو»

تختلف قضية مبنى «آر ديكو» في «شارع غورو» (الجمّيزة) عن مبنى «بيت ورد» في الأشرفية. بدأت أعمال هدم «آر ديكو» (عقار 651 ــ المدوّر) قبل أيام، بعدما حصل المالك على تصريح بهدم «البناء المؤلّف من أرضي وثلاثة طوابق علوية»، موقّع من محافظ بيروت القاضي زياد شبيب بتاريخ 27 كانون الأول (ديسمبر) 2016. هنا تبدو سيرة المبنى أكثر تعقيداً. في 2008، بيع مبنى «آر ديكو»، قبل أن يتقدّم المالك الجديد بطلب إذن هدم من وزارة الثقافة التي رفضت هدم الجزء القديم العائد إلى الثلاثينيات، مقابل السماح بالقضاء على الجزء «الجديد». لكن المالك لجأ إلى مجلس شورى الدولة، عام 2016، وحصل على التصريح بالهدم، «شرط الحفاظ على الواجهتين الأساسيتين للبناء الموجود».


يلجأ المالكون إلى مجلس
شورى الدولة لانتزاع قرار
بهدم المباني التراثية

إذا تجاهلنا العبارة الفضفاضة، واستحالة تنفيذها في بيروت، فإن هناك مشكلة أخرى هي غياب المتابعة لتنفيذ الشروط، رغم هشاشتها، من قبل الجهات الرسمية. هكذا بدأت أعمال هدم المبنى أخيراً، من دون أي تدعيم بقساطل حديدية للواجهتين اللتين صدر أمر بحمايتهما. تقول المعمارية منى حلاق إنّ أهمية هذا المبنى تكمن، قبل قيمته المعمارية، في كونه «جزءاً من النسيج العام لمباني الجميزة»، مستعيدة بعض الأمثلة في بيروت التي تم فيها الحفاظ على الواجهة الخارجية بينما ارتفعت خلفها عشرات الطبقات. هذا ما تتخوّف منه جمعية «أنقذوا تراث بيروت» التي قدّمت اعتراضاً إلى محافظ بيروت القاضي زياد شبيب واقتراحاً لبناء يتلاءم مع أبنية الحي الأخرى. بالإضافة إلى انتمائه إلى النسيج العام للجميزة، فإن المبنى الذي يستمد اسمه من نمط «آر ديكو» الفرنسي، ينتمي إلى حقبتين زمنيتين مختلفتين. البناء الأساسي يعود إلى حقبة الانتداب الفرنسي، وتحديداً ثلاثينيات القرن الماضي، ويحوي غرفاً واسعة، وحمامات كبيرة، وسقفاً عالياً، ورخاماً وبلاطاً ملوّناً على الأرضية. وفي الستينيات أضيف إلى المبنى جزء آخر يحترم النمط الأساسي للمبنى وتصميمه. وجد المبنى من يدافع عنه إذاً. أصدرت «أنقذوا تراث بيروت» التي تتابع القضية أمس بياناً تدعو فيه مجلس شورى الدولة «لحثّه على وقف القرارات العدائية غير الآبهة بالتراث»، بهدف حماية المبنى والتصدي لأي محاولة لتغيير ملامح الحي البيروتي وتشويه نسيجه العام.

القانون المؤجل

هناك قانون واحد في لبنان لحماية الأبنية التراثية يعود إلى عام 1933. أول من أمس، نوقش مشروع قانون حماية الأبنية والمواقع التراثية الذي تقدّم به وزير الثقافة الحالي غطاس الخوري. انتهى الاجتماع في «لجنة الإدارة والعدل» بلا نتيجة، بعدما أرجئت الجلسة. تأجيل يعيد إلى الأذهان تجميدات كثيرة لا تزال تؤخّر الحماية المنظمة للأبنية. في عام 2007، خرج مشروع قانون مع الوزير طارق متري، إلا أن الأمر انتهى به مجمداً لدى اللجان النيابية. الوزير سليم وردة حاول التوصّل بعدها إلى إقرار القانون، بلا نتيجة. لكن عصر وزير الثقافة غابي ليون، كان الأكثر بؤساً في السنوات الأخيرة. انتهكت آلة الهدم مواقع تراثية كثيرة، إذ أذن ليون بهدم المرفأ الفينيقي في منطقة الحصن، رغم أنه كان مدرجاً على لائحة الجرد العام. كذلك، أعطى قراراً بهدم منزل الكاتب اللبناني أمين معلوف في بدارو. بعده أكمل الوزير روني عريجي صياغة قانون لحماية التراث لكنه لم يوضع على جدول الأعمال. السيناريو ذاته يكرر منذ سنوات، فيما تقع المسؤولية اليوم على عاتق وزارة الثقافة الحالية ووزيرها غطاس الخوري.

حداثة المدينة

معظم خطط ودراسات الحفاظ على التراث العمراني، رغم قلتها، تنبذ فترة الحداثة العمرانية في بيروت الخمسينيات والستينيات، لصالح الاهتمام بالقناطر والقرميد وبيوت القرن التاسع عشر. ميل يفتقر إلى دراسة تأريخية جدّية للعمارة في لبنان، ويتجاهل حقيقة أن التراث هو تكدس حقبات زمنية معينة. خلال تلك الفترة التأسيسية من تاريخ العمارة في بيروت ولبنان، راح عدد من المعماريين اللبنانيين يهتمون بتصاميم البيوت اللبنانية التقليدية وينهلون من الأساليب العالمية لإنشاء عمارة محلية تخضع للظروف الاجتماعية والثقافية في البلاد. كما لاحقوا أدق تفاصيل التصميمات الخارجية والداخلية للعمارات، من مواد البناء والإفادة من المهن المحلية وصولاً إلى تصميم المفروشات والأثاث المنزلية. من بين هؤلاء خليل خوري، وجورج ريّس، وتيو كنعان، وعاصم سلام، وفريد طراد وغيرهم ممن استحضر «المركز العربي للعمارة» إنجازاتهم في معرض قبل سنوات، كما وثّق لها المهندس الراحل عاصم سلام في محاضرة ألقاها في «الندوة اللبنانية» عام 1957 (كتاب «الإعمار والمصلحة العامة»). قضت الحرب على الرؤى الطليعية لهذه الفترة، قبل أن تحدث مرحلة «إعادة الإعمار» القطيعة النهائية معها، مع تبنيها الهدم منهجاً أسياسياً في عملها. أما التعامل السهل مع التراث العمراني، وفوضى البناء، والعزل الطبقي، وتفتيت النسيج الثقافي والاجتماعي، حالياً، فهو ما ورثته المدينة بأكملها، من وسطها التجاري، الحلم الأم للشركة العقارية الخاصة إياها.