توزّعت الدراسات حول إرث بيروت بين تعقّبٍ علمي لتطور المدينة العمراني وقراءات انتقائية لنماذج معيّنة من عمارتها. ووسط غياب قانون يحمي التراث المعماري، القديم منه والحديث، لاجماً التلاعب بما تبقّى من عناصر مدينيّة تطبع ذاكرة الأمكنة وتُشكّل هويتها، لا بد لنا اليوم من أن نلتفت إلى مسألة أساسية أخرى متعلّقة بالنظرة التي نخصّ التراث المعماري بها في لبنان بشكل عام.


ففترة ترقّب القانون العتيد قد تطول إلى أجل غير مسمّى، أو قد تتقلّص بحسب تطور الوعي العام لأهميّة موضوع المحافظة على التراث وضرورة تحويله إلى مطلب أساسي مُحق، شأنه شأن المطالبة بتطوير شبكة وسائل للنقل المشترك أو بسياسة اسكانية أو حتى بمعالجة أزمة النفايات والمياه والكهرباء.
إذا أخذنا على سبيل المثال حادثة الانهيار الجزئي الذي أصاب «بيت ورد» في منطقة فرن الحايك، فلعلّنا ننوّه أولاً بالإجماع العام على أنّ هذا البناء المنتمي إلى الفترة العثمانيّة المتقدمة يتمتّع بقيمة جمالية وتاريخية عالية كفيلة بأن تدرجه على لوائح التصنيف، وبالتالي بأن يُرمّم للمحافظة عليه للأجيال القادمة. أمّا إذا عُدنا بالذاكرة القصيرة إلى حادثة انهيار أو هدم العقار ١٣٢٧ في منطقة البسطة الفوقا (النويري) في كانون الأوّل (ديسمبر) الماضي، وهو مبنى يعود لأول فترة الإنتداب في شارع البسطة الرئيسي، نرى أن التفاعل يومها مع الخبر كان محدوداً زمنياً واعلامياً. ليس فقط لأنّ مبنى الأشرفية يفوقه قيمةً جماليةً أو لأنّه أقدم أو حتى لأنه يُشكّل مع الأبنية المتاخمة نسيجاً تاريخياً مُتناغماً، بل بكلّ بساطة لأنّه كان يتمتّع ظاهرياً بحالٍ جيّدة، وثانياً والأهم أنّه معروف من سكّان الأحياء القريبة بسبب المحل العريق للحلويات الواقع في طابقه السُفلي، ومعروف أيضاً من أغلب العابرين على جادة شارل مالك، وهي الرّابط بين الحمراء والأشرفية، أي عصبي المدينة الأبرزين. وذلك خلافاً لبناية شارع البسطة حيث اختصرت العلاقة البصرية والعملية مع المكان على حلقة ضيّقة من سكّان المحلّة ومن العابرين. هُنا تبرز معادلة بسيطة جداً تقول إنّنا ما زلنا ميّالين إلى التعلّق فقط بما نعرفه وما نألفه أي ما نشعرُ بامتلاكه. هو استنتاج أيضاً بأنّ ما يحرّك أحاسيسنا بأهميّة المحافظة على التراث، يُعبّر عن شعور مُلتبس وغير مُكتملٍ.
لذا فلا بُدّ لنا اليوم في تناولنا قضية الحفاظ على ما تبقّى من إرث قديمٍ وحديثٍ مهدّد بنسب متفاوتة في مدننا الكُبرى كبيروت وطرابلس، لا بُدّ لنا من أن نلتفت في البداية إلى موضوع تلقّي هذا التراث وعملية استيعابه من قبل العامة غير المختصة. بالتوازي مع بحثنا الحثيث عن إقرار قانون يصون المباني التراثيّة، لا يُمكننا إلا أن نتطرّق بشكلٍ موازٍ لجانبٍ أساسي آخر، وهو نشر الوعي العام عبر شتى الوسائل المتاحة من منابر إعلامية خاصة وعامة ومن برامج تربوية أو جولات إرشاديّة تحدّ من حجم الهوّة الهائل بين المُتخصّصين الأكاديميّين في التراث المعماري من جهة، والشريحة المتبقيّة والأكبر من الناس.


كم مرّةً أوقف شاب أراد التقاط صورٍ لبيت فيروز في زقاق البلاط؟

إنّ مفاتيح فهم هذا التراث والتمسّك به، وبالتالي التشبّث بأحقيّة قضيته، تمرّ أولاً وأخيراً بالممارسة الواعية للأمكنة ومحاولة اكتشافها بالرغم من الحذر المُهيمن في أغلب الأحياء، وبالرغم من ذلك الفضاء المديني الممنوع بل المحرّم الذي من شأنه الحدّ من العلاقة بين المواطن ومحيطه. كم من مرّةٍ أُوقف شابٌ أو شابّة أراد أو أرادت التقاط صورٍ لبيت فيروز في زقاق البلاط أو أي بناء آخر في الشوارع الجانبية من أحد الأحيٍاء السكنية؟ أو كم مرةً استرعى بناءٌ بعناصره الهندسيّة القيّمة اهتمام مرشد مع طلابه، فواجههم سكّان البناء أنفسهم بنظرات الاستهجان والريبة والحذر التي سرعان ما تتحوّل أحياناً إلى لغة تهديد وعنف؟ إذا كان الطريق إلى المواطنة كنظام يرعى الحدّ الأدنى من الحقوق المدينيّة، ما زال شائكاً، فذلك لا يعني أنّ تحفيز العامّة وبالتالي المستثمرين العقاريين أصحاب القرار الوحيدين في ظلّ غياب وتقاعس المؤسّسات، أمر مستحيل. وإذا كُنّا طامحين إلى حلٍ متكاملٍ لقضية المحافظة على التراث المعماري يتناول النسيج العمراني بأكمله بعيداً عن انتقائيّة سياسة تصنيف الأبنية المتناثرة التي ينزلق إعلامنا مراراً لتسميتها بـ «الأثريّة» بدلاً من التراثية، فنحن نعترفُ اليوم أنّ حملات التوجيه قد تبدأ أيضاً من الدرجة الصغرى إلى الكبرى، من التفصيل إلى الشامل، من الحديث إلى القديم. إنّ بعض الإقتراحات للمحافظة على التراث المعماري، قد تقتصر على الأبنية العثمانية التي أطلق عليها بعضهم تجاوزاً مصطلح البيت اللبناني، أو قد لا تُسقط الأفكار البالية عن أنّ الاسمنت أقلّ قيمة من بيوت الحجر. لكنّنا إذا أقرينا بتنوع المدينة العمراني والمعماري (من بيوت مستقلّة من الفترة العثمانية الأخيرة إلى فترة الإنتداب إلى الفترة الحديثة حتى أواخر ستينيّات القرن العشرين) وانتقلنا إلى تعريف أكثر ديناميكيّة لهذا التراث، قد نخلص إلى أنّ مجالات العمل على المحافظة على طابع المدينة وهويتها ما زالت عديدة، منها التنويه بضرورة الاهتمام بواجهات الأبنية المأهولة من فترة الحداثة والإبتعاد عن أساليب العصرنة الرخيصة والتعتيق المبتذل كإضافة ألواح الألومينيوم وإكساء الحجر على الواجهات، منها أيضاً تسليط الضوء على مشاريع إيجابية كمحاولات استصلاح بعض المباني القديمة بإضافة طوابق جديدة فوقها بأسلوب لا يمسّ بالشكل الأصلي، وأيضاً تعريف العامّة بأحياء مدينتهم جميعاً، وليس فقط بالجميزة أو شارع سرسق، من خلال برامج تثقيفية واكتشافية يتبنّاها الإعلام المرئي بشكل أساسي. حين تتحوّل قضية التراث إلى موضوع أكثر وضوحاً يحاكي الجميع، تُصبح فترة انتظار القانون أقلّ وطأة، والأمل بإنقاذ ما تبقّى مطلباً لا يعني النخبة العارفة فقط.
* مهندس في الترميم