القاهرة | ما أجمل أن تخترع شخصية من العدم، وتصدق كذبتك، ثم تتحول هذه الأكذوبة في النهاية إلى أسطورة يملأ صداها أرجاء الأرض. نردد معظم الوقت بعض أبيات الحكمة والشجاعة على هيئات رباعيات ننسبها في الأصل إلى شاعر جنوبي يُدعى ابن عروس. والأغرب من ذلك أن تُبنى مجموعة من الأبحاث والرسائل الأكاديمية على تلك الشخصية التي لم يحاول أحدٌ في مرة من المرات أن يتأكد من وجودها أو حتى حقيقة الإرث الأدبي الذي تركته لنا.


في كتابه الشيق «ابن عروس – ليس مصرياً وليس شاعراً» الذي صدر بعد شهرين على رحيله عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب»، يحاول الشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي (1938 ــ 2015) التنقيب عن شخصية ابن عروس التي طالما نُسب لها فن المربعات في الصعيد المصري. وترتبط قصة ابن عروس بأنه ذلك الرجل الذي اختبأ في مغارة، ثم هجم على موكب عروس ليفر أهلها وينطلق بها. وعندما نظرت إليه، قالت شعراً أدخل التوبة إلى قلبه في الحال. والغريب أيضاً أن الرجل كان عمره ستين عاماً حين أطار أمامه جيشاً من الرجال الذين كان يشيعون العروس إلى بيت زوجها. وقد أكد هؤلاء أن الرجل عاش في عام 1780 ميلادية. والحكاية الأخرى عنه تزعم أنه عاش في مصر المملوكية، وكان شاعر مقاومة ينتصر للفقراء، ولم تدركه الشيخوخة. لكن الأبنودي يقول: «عجيب الأمر أن أهلنا في الصعيد الذين لم يدعوا بحثاً علمياً أو تنقيباً في صخور الحقيقة اكتشفوا أمر سيدي أحمد بن عروس منذ زمن طويل ليس كلصّ شاعر، ولكن كولي متصوّف، فسلكوا طريقه وضموه إلى الشيخ الكبير أبي الحسن الشاذلي إذ إنّ الاثنين تونسيان، وسُميت هذه الطريقة بالعروسية الشاذلية».
يورد الأبنودي أن شخصية ابن عروس الحقيقي تعود إلى قطبٍ متصوف جزائري يُدعى أبي العباس أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عروس الهواري وله كتاب يعدد شمائله وكراماته بعنوان «ابتسام الغروس ووشى الطروس». وقد ولد الشيخ في قرية في الجزيرة القبلية على مسافة خمسين ميلاً من تونس اسمها المزاتين في وادي الرمل. كما لازم الشيخ محرز بن خلف ليعمل نشاراً للخشب في دار العود، ثم نجاراً خارج باب السويقة من تونس، قبل أن ينجر المحاريث في قرية الأنصارين، ويخدم في أحد الأفران. وكان أشهر مربعاته الذي يقول فيه: «جميع البلاد شوليت/ حتى لسبته الحصينة/ أنا مثل «بنزرت» ما رأيت/ الوادي وسط المدينة». وقد كان الشيخ حسن الهيئة، نظيف الحال، يرتدي جبة بيضاء من صدفٍ وشملة بيضاء ويلبس القبقاب في الشتاء والصيف، وكان يشهد على الصلوات كلها في «جامع الزيتونة»، قبل أن يحمل صرائره ويثبت أنه شيال الحمول. واشتهر ابن عروس بقدرته الهائلة على حمل الأوزان والصرائر من دون مشقة أو عناء.
ويضم المربع الشعري أربعة أشطر يتكون منها مقطع منظوم ومتكامل في مبناه، ومعناه، وتكون هذه الأشطر في ما بينها ببيتين اثنين من الشعر. ويمكن أن يقال أيضاً «الرباعية» بالمؤنث، بدلاً من «الرباعي» بالمذكر، ويقول في موضوع آخر: قد تكون الرباعيات مليئة بالحِكم والمواعظ والتأملات، كما يمكن أن تتناول موضوعاً غرامياً. ثم ينتقل الأبنودي لشخصيةٍ أخرى هي سيدي عبد الرحمن المجذوب، الاسم الأشهر في شمال أفريقيا الذي ينسب إليه المربع. يقول المجذوب: «قلبي كفرن جيار/ كامي على صهره ناره/ من فوق ما بانت نار/ ومن تحت طابوا حجاره». وقد ورد هذا المربع في كتاب «ممتع الأسماع» لمحمد مهدي الفاسي الذي يصور حالة الرجل الذي يمشي بين الناس محروق القلب بصورة الفرن الذي يزود بالجير، فتطيب أحجاره من دون أن يظهر لها نار. يجمع بين كل من الشيخين ابن عروس والمجذوب، هذا الزهد المشترك بالإضافة إلى الرحلة المكانية التي قاما بها. وقد وصلت المربعات التي نسجها الشيخ المجذوب إلى أكثر من 82 مربعاً.
أما في مصر، فهناك علي النابي الذي نبغ في فن التربيع، وهو ناظر زراعة في أبو طشت شمال محافظة قنا. تقول الحكاية إنه كان على صهوة جوداه في إحدى المرات عندما التقى بفتاةٍ في جزيرة مطيرة ليقول لها: «يا بت... ياحمرة الخد/ يام العيون الرياشي/ عاوزين فرخ بطيخ ع الكد/ نروي بيه العطاشى». لقد انتقلت تلك المربعات بين أبناء الصعيد من فلاحين وتجار عن طريق الشفاهية ليتوارثها جيلٌ بعد جيل. وبالرغم من تدخل أجهزة البث الحديثة في الحياة اليومية، إلا أن تلك المربعات ظلَّت من المواد الأصيلة التي ترتبط بجذور الشخصية المصرية وتراثها. أحد هذه المربعات «سكت الهوا والناموس طار/ والسبع قصر يمينه/ السبع قال النوم أستار/ لما الهلف ياخد يومينه». والمعنى هنا إنه عندما يسكن الجو يطير الناموس ليسيطر على المشهد، وفي تلك الحالة يصبح نوم السبع القوي فضيلة. الشخص التافه شاءت له الأقدار أن يحكمنا، وملخص تلك الحكمة أن الزمن زمن الأنذال، فلا تكن ضحية الجهلاء. والمثال الآخر على تلك الحكمة هو «ولابد من يوم محتوم/ تترد فيه المظالم/ أبيض على كل مظلوم/ أسود على كل ظالم». ولا يتوقف الأبنودي هنا، بل يورد لنا أمثلة من الفن الشعبي الليبي تؤكد أن النسج على المنوال أمر مؤكد. أي أن هذا القالب البسيط في الشمال الأفريقي، سارت عليه مجموعة كبيرة من ناسجي المربعات في الجنوب المصري.