تتأبط كعك السمسم المقدسي تحت ذراعك إلى حيث وجهتك، حاملاً أوراقك الثبوتية الصادرة عن دولة فلسطين، وصوراً تحتفظ بها من حفلة أم كلثوم، في يافا عام 1938. هو كل ما كنت تحتاج إليه لتستقل حافلة من أمام «باب العامود» في القدس عام 1947، لتسافر عبرها إلى بغداد، أو بيروت، أو القاهرة، أو دمشق أو الكويت!


كان هذا قبل أن تحدث نكبتك بعد عام، ويصير شعبك مشتتاً في مخيمات اللجوء، وتصبح فلسطين النجم القريب الذي يظهر لك في السماء، فتراه بعيداً يستحيل الوصول إليه. إنه العام 2017، ومع ذلك، بإمكانك العودة إلى فلسطين والسفر منها إلى أي عاصمة عربية ــ ولو مجازياً ــ على متن «باص 47»!
برنامج «باص 47» ليس مجرد حافلة تتنقل بالعرب من عاصمة إلى أخرى، بل هو المشروع الذي عمل عليه أكثر من 25 فلسطينياً واستطاع أن يخرج بالفكرة من إطار «التنظير» إلى التطبيق. فالقائمون على المشروع اعتمدوا على الحافلة لـ«خلق وعي حقيقي، قد يترك بعداً وأثراً في نفوس المشاهدين».


يسلّط الضوء على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفنية والسياسية قبل النكبة

فمجرد الحديث عن خط نقل كان موجوداً في الماضي، وفي زمن لم يعشه أبناء الحاضر لن يرسخ في عقول السامعين طويلاً، والأهم أنه لن يحيي الحنين إلى الفكرة التي يهدف إليها أساساً، وهي: الوحدة العربية. أيام كانت قائمة برغم الانتداب على الوطن العربي الكبير، وتقسيمات سايكس بيكو.
«إعادة تصنيع الباص جعلت هذه الفكرة (المستحيلة) ممكنة»، كما أوضحت لـ«الأخبار» مديرة العلاقات العامة والإنتاج لـ«باص 47»، ريم شومان، مضيفةً إن «البرنامج خلق مساحة حقيقية ستترك أثراً في قلب كل مشاهد عربي، إذ تعود به إلى ذكريات مضت وزمن سمع عنه ولم يعشه». البرنامج، الذي يبث على تلفزيون «فلسطين»، قائم على الخلط بين المكوّنين الوثائقي والواقعي، فالجزء الوثائقي هو عصارة بحث امتد شهوراً، بدءاً من الأرشيفات التي تحفظها المؤسسات الفلسطينية الرسمية، مروراً بمقابلة شخصيات أدت دوراً مهماً في خدمة القضية الفلسطينية، وصولاً إلى جيل شبابي لا يزال في خدمة قضية لن يحيد عنها.
أمّا المكوّن الواقعي، فيبدأ من جولة «باص 47» بين العواصم العربية، وخلال تجواله يقابل أشخاصاً عاشوا حقبة ما قبل الاحتلال، ولا تزال ذاكرتهم تحتفظ ببعض «الزمن الجميل»، ليُقابلوا كشاهدين أحياء على زمن احتفظ بالتواصل والامتداد العربي، من دون اعترافه بالحدود الجغرافية. أمّا الوصلة الأهم، فتتمثل برصد ردود أفعال المارة بالشوارع والتعبير عن عواطفهم لدى رؤيتهم الباص.
لكن، من أين أتت فكرة البرنامج؟ يأتي الرد سريعاً: «من كون خط النقل الأصلي (القدس، عمان، بغداد، الكويت...) هو الوسيلة التي استخدمت سابقاً، حين كانت الحدود شكلية فقط، وكان التنقل بين أقطار الوطن العربي لا يحتاج إلى تعقيدات وإجراءات مكثفة». تضيف شومان إنه «كان ذلك حين كنا... أمة واحدة».
البرنامج التلفزيوني لا يهدف فقط إلى إعادة إحياء الوحدة العربية، بل يسلط الضوء أيضاً على الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والفنية والسياسية في فلسطين قبل النكبة، وعلاقتها بالأقطار العربية. كما يتناول مركزية فلسطين وتقدمها في أكثر من مجال، وخصوصاً في مجال النقل، الذي كانت الشركات الأجنبية تحاول احتكاره في حينه، فجاء الرد بإعلان «شركة الباصات الوطنية في إحدى الصحف الفلسطينية عن بدء تسيير حافلات فاخرة بين المدن الفلسطينية منذ عام 1933». وهو كما يتضح لنا عند مشاهدة الحلقة الأولى من البرنامج.
إضافة إلى ذلك، «ستركز الحلقات التي ستبث قريباً على ما قدمته فلسطين للأقطار العربية سابقاً، وخصوصاً المساهمات على أكثر من صعيد»، كما تشرح شومان، مؤكدةً أن البرنامج سيتضمن أيضاً الحديث عن كل «ما قدمته الأقطار العربية بشعوبها من تضحيات بالأرواح على ثرى فلسطين، بالإضافة إلى الأحداث التاريخية ومحطات المقاومة النبيلة».
نحن إذاً أمام مادة مختلفة، لا توثق تاريخاً فقط، بل تحاول أيضاً استحضار روح وحدة الأمة العربية والإيمان فيها، وتحاول أن تخرج المشاهدين من الجحيم الذي تعيشه أوطاننا، ويقتل فيه الناس باسم «إله الدواعش»، وتحطم فيه «أيقونات» ورموز حضارتنا واحدة تلو الأخرى، إلى زمنٍ حضن فيه أحد مسارح حيفا ويافا جمعاً غفيراً من الذواقين الذين أتوا لحضور حفلة «كوكب الشرق».
والفكرة أيضاً قد تمثل رداً واضحاً على سياقات تصفية القضية الفلسطينية، ومحاولات حرف الصراع الأساسي عن مساره، وقتل روح التضامن العربي مع أبناء جلدتهم من الفلسطينيين المقهورين. هو عمل يمكن اختصاره في كلميتن: «كنّا وسنكون»!